صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12
النتائج 16 إلى 22 من 22

الموضوع: حوش بنات ود العمدة

  1. #16

    الحالة
    غير متصل
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    المشاركات
    38

    افتراضي

    الفصل السادس عشر


    وقفت بلقيس شاردة وهي تتابع بنظرات حزينة مؤخرة السيارة التي تبتعد بعد ان اقلت رحمة وزوجها احست بخواء يستوطنها وكآبة تملا روحها ... كانت المرة الاولى التي تبتعد عنها احدى ابنتيها ... بدأ التراب الناعم يتسرب من قبضة يدها المضمومة فاحكمت تماسك اصابعها حتى لا تسقط منه ذرة وتضيع خطوات ابنتها التي انحنت لا شعورياً تجمعها من الارض وهي تتذكر كم مرة تصرفت امها وجدتها بنفس الطريقة وهن يتحججن بان قبض تراب خطوات المسافر يعيده سريعا الى اهله .. وضعت حفنة التراب بحرص في طرف ثوبها وربطته باحكام .. مسحت دموعها وهي تحتضن منال التي كانت تنافسها في البكاء .. أتت نحنحة ود العمدة لتنبيه جمع النساء بانتهاء طقوس الوداع .. وقبل ن يطلق التنبيه الثاني كان الجميع قد سارع بالدخول الى المنزل ..
    تجمع من تبقى من الرجال في المصطبة العالية امام الديوان وتصاعدت في الجو رائحة الشاي بالنعناع .. جلس حامد بهدوء وهو يراقب تقدم عمار نحوه .. ابتسم مرحباً به وافسح له مكاناً بجانبه كم تمنى لو رزق بولد يشبه وسرح خياله في طيف وليده الذي فضل اللحاق بامه عوضا عن البقاء معه ... برغم حزنه على موته المبكر لكنه حسده على تمسكه بالرحيل خلف امونة ... كان يود لو استطاع ا للحاق بهما .. فالحياة من بعدهما لا تستحق ان تعاش ... ربما لو عاش ابنه لكان شبيها بعمار ...
    - عم حامد .. كنت عاوزك في موضوع كدة بس خايف الوقت يكون ما مناسب ...
    - قول يا عمار ..كل الاوقات مناسبة ليك ..
    - عم حامد .. انا بحس بيك زي ابوي بالضبط .. عشان كدة ما عاوز الف وادور وحقول العاوزو مباشرة .. انا يشرفني جداً وابقى اسعد انسان في الدنيا لو وافقت اكون راجل بتك ...
    عبرت الدهشة ملامح حامد بسرعة واستقرت في العينين الواسعتين .. .. رفع يده وربت بها على كتف عمار .. اتسعت ابتسامته وهو يرى القلق والترقب يعتصره ويتجلى في حركات جسده المتوترة
    - عاوز تعرس يا عمار ؟؟!! ... والله خيراً تفعل .. العرس بدري عصمة للراجل من حاجات كتيرة ... لكن انت ما شايف بدرية لسة صغيرة ؟؟!! ... ما بتقدر تصبر شوية لغاية ما تكمل الثانوي العالي على الاقل ؟؟!! ...
    اكتسى وجه عمار بشحوب شديد .. ... تقطعت كلماته واتسعت عيناه المعلقتان بشفتي ود العمدة الذي استغرب رد فعله المذعور ...
    - مالك يا عمار ؟؟ انت شايف انها بعيدة ولا شنو ؟؟!! .. ما تخاف الزمن بقى يجري سريع .. وكلها سنتين ولا تلاتة وبت خالتك تخلص قرايتها ونديك ليها ... اصلا هي ما بالحيل على الدراسة وما اظنها تقول عاوزة تقرا الجامعة .. حتى لو طلع في راسها دخول الجامعة تدرسها من بيتك ..
    - عم حامد انا ما باتكلم عن بدرية .. انا عاوز اميرة ..
    ساد صمت ثقيل بين الرجلين وتبادلا نظرات حافلة بالاسئلة .. اخيرا نطق حامد بصوت هامس ..
    - اميرة بت نعمات ؟؟!! .. يعني ما بدرية بت خالتك ؟؟ !! ...
    - اميرة بتك يا عم حامد ... انا عارف الموضوع دة حساس وممكن يخلق مشاكل كتيرة ومن ما فكرت فيهو انا متوقع الممكن يحصل لمن خالتي السرة وامي يعرفوا .. لكن انا اتكلت على الله وعليك .. لاني عارف لو انت وافقت ووقفت معاي مافي زول تاني بيقدر يقول كلمة ... بدرية صحي بت خالتي وما فيها كلام ... لكن يا عمي القلب وما يريد .. وانا عاوز اميرة من زمان بس كنت منتظر اقيف على رجليني في الشغل وابقي في وضع يخليني جدير بيك وبيها ..
    غمرت حامد موجات من التعاطف بعد كلمات عمار الصريحة المخلصة .. اطرق تحت وطأة ذكريات زمن كان فيه مثله مليئا بالحب والاحلام ... يتوق للزواج بمن احبها ... اعترته مرارة عندما استعاد احساس اللحظة التي اضطر فيها للتخلي عن حلمه لاجل واجب فرض عليه ... احس كأن تاريخه يعيد نفسه مع عمار ... كان الفارق بينهما ان القدر وضعه في موقع المتحكم وصاحب القرار ... ابهجته فكرة مقدرته على رد الصفعة القديمة ... فرفع راسه بتصميم ..
    - ابشر يا عمار .. اديتك اميرة .. ومافي قول بعد قولي ...
    في تلك الليلة وبعد ان ودع حامد آخر ضيوفه .. تهيأ لخوض المعركة ومواجهة العواصف التي ستهب عليه من جهتين ... اتجه اولاً الى بيت نعمات .. احس بالغرابة وهو يطأ العتبة الامامية للمنزل .. محاولاً ان يتذكر آخر مرة زاره فيها ... هل مر شهر ؟؟ او ربما شهران !! كان في اعماقه موقناً بفداحة الظلم الذي يوقعه على نعمات ... زوجته المكابرة التي تخفي احاسيسها خلف قناع شفاف لم يعجز يوماً عن رؤية ما تحته .. كان يحس برغباتها بمجرد النظر الى عينيها .. ويشعر باحتياجها اليه من حركات جسدها ورائحته .. لكنه كان عاجزاً عن تلبية دعواتها السرية .. لقد فقد الرغبة في أي تواصل حميم مع نسائه منذ وفاة امونة .. حاول ان يجبر نفسه على ارضاء زوجتيه .. فاعفته السرة من واجبه تجاهها واعلنته صراحة عن عدم رغبتها في أي علاقة زوجية...
    - حامد .. انا عافياك لله والرسول من الشئ دة .. انا خلاص كبرت وما بقى فيني حيل ولا مزاج للحاجات دي .. العيال زاتهم كبروا .. وعيب بعد دة نرقد مع بعض في اوضة واحدة .. وفر طاقتك لنعمات .. هي لسة صغيرة ومحتاجة ... والله يقدرك تكفيها..
    اربكته صراحتها الفجة .. وفي نفس الوقت رفعت عنه عبئاً ثقيلاً ... لكن نعمات ما زالت في قمة انوثتها واحتياجها الجسدي والمعنوي برغم اعتصامها بكبرياء عنيد يرفض ان يقر باحاسيسها ... لقد حاول منذ فترة ان يكافئ صبرها الطويل واحترامها لحزنه بعد وفاة امونة وطفله... ارتمى في احضانها كخرقة بالية جاهدت هي في رتق ثقوبها بكل ما تملكه من خبرة ومهارة .. تفننت في محاولتها لتحفيز مشاعره وجعله الرجل الذي عرفته منذ زمن طويل ... فوصلت الى نتيجة متواضعة لم ترض طموحها ... ولم تشبع جوعها الذي طال امده ... .. بعدها احس بالخجل وانسحب الى معتزله بعد ان تاكد بانه لم يعد يصلح لرفقة أي امراة ... اعتاد تفادي نظرات نعمات اللائمة .. واعتادت هي هجره لها ...
    - خير يا حامد ؟؟ ... في شنو ؟؟!! ..
    - انشاء الله خير يا نعمات ... اميرة جاها عريس ..
    - عريس ؟؟ لاميرة ؟؟ طيب ونادية ؟؟!! ما كنت تقول ليهم الكبيرة اول وبعدين الاصغر منها .. ودة منو دة العريس دة ؟؟ ولد منو واهلو منو ؟؟!! ...
    كان سيل الاسئلة يندفع من فم نعمات بلا توقف وقد تضاربت مشاعرها بين الفرح والغيظ .. اسعدتها فكرة زواج احدى بناتها .. لكنها تمنت لو كانت نادية .. تبسم حامد بتفهم بينما احال الخجل اميرة الى تمثال ينبض قلبه في عنقه ..
    - ما تخافي يا نعمات ... كل بت بجيها نصيبها .. ومافي معنى اني اوقف نصيب واحدة عشان التانية .. وبعدين نادية زاتها صغيرة وبكرة يجيها صاحب رزقها ...
    صمت حامد مسافة وظهرت على وجهه علامات تردد اخافت نعمات .. لقد ذكرتها باليوم الذي اخبرها فيه بقرار زواجه من امونة ...وفي اللحظة التي همت فيها بالسؤال حسم حامد تردده ونطق بالكلمات التي كانت تتوجس منها ...
    - العريس ولد ممتاز ... اصل وفصل واخلاق وادب ..يا ستي العريس عمار ..
    احست نعمات بانفاسها تضيق .. وطال صمتها حتى شك حامد بانها قد سمعت كلماته ... وكان السكون الذي يسبق العاصفة .. انفجرت نعمات بعنف لم يتوقعه ..
    - قلت شنو ؟؟ .. العريس منو ؟؟ عمار ؟؟ اوعى تقول لي عمار ولد محاسن !! .. عاوزني ادي بتي لولد اخت السرة ؟؟ والله الا اكون مجنونة عشان اوافق على حاجة زي دي .. بتي انا تعرس ولد اخت ضرتي ؟؟ ليه ؟؟ من قلة الرجال في الدنيا دي ؟؟ والله لو بقى آخر راجل .. واميرة تقعد طول عمرها ما تعرس ما اديها للناس ديل ؟؟ ياهو الفضل !! بتي انا تعرس ...
    قاطعها حامد مزمجراً ...
    - نعمات ؟؟ شنو ماسكاني بتي بتي ؟؟ انتي اميرة دي اشتريتيها من السوق ولا لقيتيها واقعة في الشارع ولا جبتيها براك من الهوا ؟؟ .. اميرة بتي قبل ما تكون بتك .. ولا انتي خلاص لغيتي ابوتي لبناتي ؟؟ ما تتكلمي فارغ وشوفي إنتي بتقولي في شنو .. وبعدين مالو عمار ؟؟ عيبيهو لي !! ولد ممتاز ومافي زول يقدر يقول كلمة عليه .. متدين ومحترم عصامي واخلاقو مافي زيها .. ولا عشان ولد اخت السرة يعني انتي مقومة الدنيا ومقعداها ؟؟!!
    - ايوة يا حامد عشان ولد اخت السرة .. انا ما بارمي بتي في النار بيدي .. كفاية الانا شفتو من السرة واهل السرة من يوم ما عرستك .. كفاية الكراهية والحقد والعنصرية الاتعاملوا بيهم معاي ... أديهم بتي عشان يعملوا فيها نفس العملوا فيني ؟؟
    خبط حامد الارض بعصاه بعنف دل على انفعاله الشديد ... وقفزت اميرة خوفاً من اولى بوادر غضب ابيها ..
    - انا ما عاوز اسمع كلام فارغ يا نعمات.. انا كلمتك من زمان ..طلعي الاوهام دي من راسك اهلي لا بيكرهوك ولا عمرهم اتعاملوا معاك بعنصرية .. اهلي انتي البعدتي وعزلتي نفسك عنهم .. عشان كدة اعقلي وما تخلي الافكار الفي راسك دي تاثر على مصلحة بتك .. عمار انسان كويس وما حالقى احسن منو لاميرة ...
    - منو القال ليك ما حتلقى احسن منو ؟؟ اولاد اهلي راقدين بالكوم ... وكلهم زي عمار واحسن منو كمان ... وقبل فترة فاتحوني بانهم عاوزين نادية واميرة .. لكن انا قلت ليهم عاوزين البنات يكملوا تعليمهم وبعداك نفكر في العرس .. والاسبوع الفات ولد بت خالتي اتصل مخصوص من كندا وقال لامو عاوز اميرة .. لمن كلمتني قلت ليها حفاتحك في الموضوع بعد ما تخلص من عرس رحمة .. اها داك برضو انسان متعلم وفيهو كل الصفات الكويسة .. وكمان اتكلم قبل عمار .. يعني هو ...
    قطعها حامد بحدة ...
    - نعمات .. قصَري كلامك وخليني اتفاهم مع بتي .. اميرة .. رأيك شنو في عمار ؟؟ موافقة عليهو ؟؟!! ...
    رفعت اميرة وجهاً شاحباً وهي تنقل نظراتها الحيرى بين ابيها المشبع بالتحدي .. وامها التي تنتفض غضباً .. لم تستطع مواجهة اعينهم المركزة على شفتيها فخفضت بصرها وسالت دموعها بغزارة .. كانت تحاول حسم الصراع داخلها بين قلبها الذي يميل الى عمار وعقلها الخائف من النتائج ... لقد توقعت رفض امها ... لكنها لم تتوقعه بهذا العنف ..
    - اميرة .. انا منتظر ردك .. اتكلمي .. عاوزة عمار ولا لا ؟؟...
    انتفضت من لهجته الغاضبة .. وقبل ن تنطق بكلمة ردت نعمات ...
    - طبعاً ما عاوزاهو .. انت ما شايفها بتبكي ؟؟!! في واحدة عاوزة ليها زول بتبكي لمن يسالوها ؟؟
    - اسكتي يا نعمات انا ما باسالك انتي .. ردي يا بت .. عاوزة عمار ولا لا ؟؟!! ...
    - ما عارفة يا ابوي .. ما عارفة ...
    هبت نعمات من كرسيها بعصبية تجلت بوضوح في العرق الذي قفز من جبينها وهو ينبض بجنون ..
    - ما عارفة ؟؟!! .. يعني شنو ما عارفة يا اميرة ؟؟ انتي مفروض تقولي لا بدون تردد .. ولا نسيتي محاسن ام عمار دي بتكرهني قدر شنو ؟؟ نسيتي بتعاملني كيف ؟؟ حتعرسي ولدها كيف يعني ؟؟ انتي عاوزة تكرري غلطتي تاني ؟؟!! ..
    التفت حامد الى نعمات بعينان تقدحان شرراً ... واصبح صوته هادرا كالرعد ..
    - غلطتك ؟؟ انتي بتعتبري زواجك مني غلطة يا نعمات ؟؟ .. واكتشفتي الغلطة دي متين ؟؟ وما كلمتيني ليه عشان اصلحها ليك ؟؟
    انكمشت نعمات من زلة لسانها التي فضحت ما يدور باعماقها منذ زمن طويل ... احست بالدوار يكتنفها وغامت عيناها بالدموع .. ارتمت على الكرسي بعد ان ضاعت منها الكلمات .. تجاهلها حامد والتفت الى اميرة الباكية ..
    - انا بسألك للمرة الاخيرة يا بت .. عاوزة ولا ما عاوزة ؟؟ ...
    تنقلت عينا اميرة بحيرة بين والديها وخرجت كلماتها خافتة ..
    - ابوي انا ما عاوزة تحصل مشكلة بينك وبين امي بسبب الموضوع دة ... اذا وجود عمار حيخلق مشكلة انا ما عاوزاهو ..
    داهمتها موجة من البكاء العنيف فادرات ظهرها وركضت تجاه غرفتها واغلقت الباب خلفها بقوة ارتجت لها الجدران ... احس حامد كأن الزمن قد عاد به الى الوراء بصورة رتيبة ... تحولت اميرة الى امونة عندما زارته في المستشفى وهي ترجوه ان يتزوج السرة حتى يتفادى المشاكل مع ابيه وتضار امه بسبب الخلاف .... تذكر انه اذعن وقتها وخالف قلبه واستسلم لسطوة والده ... لكن ليس هذه المرة لن يستسلم .. سوف ينتصر لامونة ... سوف ينتصر لاميرة التي كانت حيرتها دليلا واضحا على تعلقها بعمار ورغبتها في الارتباط به ... لن يدعها تضحي كما فعلت امونة بحبهما .. سوف يؤازرها سوف يهزم القدر هذه المرة ... خرج صوته بارداً مفعما بالتحدي والعناد ..
    - شوفي يا نعمات .. انا اديت كلمة لعمار وما برجع منها .. والعاوز يكسر كلمتي بمسحو من حياتي لا يعرفني ولا اعرفو ليوم القيامة ...
    اتجه الى الخارج بخطوات واسعة تاركاً اهل بيته كل يصارع احاسيسه الخاصة ... واتجه مباشرة الى البيت الكبير وقد تحفزت مشاعره بعد المواجهة مع نعمات وقرر ان يحسم كل الامور في تلك الليلة ...
    قوبل دخوله بنفس الدهشة التي اثارها في البيت الآخر ... هبت بلقيس من جلستها ما ان راته ...
    - ابوي !! ... اهلاً اهلاً ... ادخل ما معانا زول غريب ...
    كانت بدرية تجلس عند قدمي امها بعد ان رفعتهما على حجرها ويداها تمسدهما بحنان ... حاولت السرة ان تجلس لكنه امرها بهدؤ ..
    - خليك مرتاحة يالسرة .. ما تقومي من رقدتك .. مالك شكلك تعبان كدة ؟؟ ..
    اصرت السرة على تغيير وضعها فانزلت قدميها المنتفختين ارضاً وجلست بصعوبة بأنفاس متحشرجة يقطعها سعال عميق ...
    - مافي حاجة يا ود العمدة .. دة بس تعب العرس .. يومين راحة وببقى كويسة ...
    - حاولي خففي السجاير شوية .. صدرك ما بقى يتحمل ...
    كان ممتعضاً من فكرة تدخينها ... لكنه لم يتدخل لايقافها ... كانت في البداية تدخن على استحياء في جلسات القهوة التي تجمعها بجاراتها يومي الاحد والاربعاء وتتخللها طقوس رمي الودع واللعب بأوهام ( الظار ) التي ادعّت السرة تلبسه لها ... كان يحس بالذنب تجاهها بسبب تقصيره واهماله لها فلم يحاول منعها من ممارسة الاشياء التي تسري عنها وتنسيها غيابه طالما ظلت في طي الكتمان ... بعد عودتها من غضبتها الشهيرة في القرية والتي اعقبت زواجه بنعمات .. اصبحت تدخن بشراهة ولم تعد تحرص على كتمان تدخينها .. احس انها تعلن رفضها لزواجه بهذه الطريقة ... فسكت على مضض حتى لا يثير حفيظتها مجدداً .. بمرور الايام اصبح هو من ياتي لها بالسجائر حتى لا تضطر الى ارسال احد لابتياعها .. واصبحت لفافة التبغ بيد السرة شئ عادي لا يثير دهشة واستغراب أي من معارفها ..
    - اقعد يا حامد مالك واقف ؟؟ ..
    كان في صوتها تساؤل اغضبه وذكره بتقصيره .. قرر ان ينهي ما اتى لاجله بسرعة ويرحل .. لم يعد يتحمل احساس الذنب الذي يتآكله كلما التقى باحدى زوجتيه ..
    - انا جيت اكلمك يالسرة .. عمار ولد محاسن جاني قال عاوز اميرة وانا اديتو ...
    ندت شهقة مشتركة من السرة وبدرية بينما الجمت المفاجاة بلقيس وشحب وجهها لعلمها برغبات شقيقتها وامنيات امها ... كانت بدرية اول من كسر حاجز الصمت بصوت باك ...
    - شفتي يا امي ؟؟ مش قلت ليك ؟؟
    خرج صوت السرة قويا غاضبا ومتناقضاً مع شكلها المتعب ...
    - عمار قال عاوز اميرة بت نعمات ؟؟!! ... ولد اختي يخلي بتي ويمشي لبت ضرتي ؟؟ والله لو انطبق السما على الارض ما يحصل ..
    قاطعها حامد بصوت بارد حازم ...
    - عمار عاوز اميرة بتي يالسرة .. ولا انتي نسيتي انها بتي واخت بدرية ؟؟!! ..
    - الخوخة التشق حلقها وحلق نعمات معاها .. صحي البت شبه امها .. مش كفاية امها خطافة الرجال دي شالتك مني ومن بناتك ؟؟ كمان تجي هي تخطف ولد اختي من بتي ؟؟ والله الا في احلامهم .. والا كان ياخدو بلا اهلو زي ما امها قلعتك قلعة الضرس من أهلك .. وكان محاسن اختي وافقت ومشت معاهو الا اقاطعها قطاعة الموت والحياة ...
    كان رزاز البصاق يتطاير من فم السرة في جميع الاتجاهات ... وارتفع نحيب بدرية ليطغي على كل ما عداه ...
    - اسكتي انتي وهي .. ما عاوز اسمع صوت واحدة فيكم .. شنو يالسرة !! انا بقيت طرطور في البيت دة ولا شنو ؟؟!! ما شايفاني راجل قدامك وعاوزة تكسري كلمتي ؟؟!! حرّم .. وعلى الطلاق بالتلاتة .. منك انتي ونعمات .. لو واحدة فيكم فتحت خشمها بكلمة زيادة في الموضوع دة .. الا اكسر العكاز دة في راسها .. انتو قايلني جاي اشاوركم ولا شنو ؟؟!! انا جاي اديكم خبر بس ... انا خلاص اديت كلمة لعمار .. وما كنت ناوي استعجل ... لكن عشان قلة الادب السويتنها دي .. العقد حيكون الخميس الجاي والمرا فيكن تفتح خشمها .. وتنتظر الراجيها ... بلا مسخرة فارغة بتاعت نسوان ...
    ادار ظهره وخرج تاركاً الغرفة تسبح في بحر من الحزن والغضب .. اتجه خارجاً يملأه احساس غامض بالرضا .. عندما لامس الهواء ملامحه المتصلبة انفرجت اساريره وظهرت شبه ابتسامة على شفتيه .. كانت اللهفة تسوق خطواته نحو المنزل الصغير في آخر الساحة والذي شهد اسعد أوقات حياته مع امونة ... لقد اعتاد ان يزوره من فترة لاخرى .. يستنشق رائحة ذاكراها العابقة في الفضاء والجدران .. ويبثها لوعته لفراقها .. اليوم سوف يزف اليها خبر انتصاره على القدر الذي يحاول ان يفرق بين قلبين غضين ... سوف يخبرها بانه قد ثأر لها ... وله ....

  2. #17

    الحالة
    غير متصل
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    المشاركات
    38

    افتراضي

    الفصل السابع عشر



    كان الصباح غائماً بفعل ذرات التراب العالقة في الجو والتي تدعمها الرياح بحفنات اخرى تكتسحها من الارض وترتفع بها الى اعلى في دوامات صغيرة متتابعة .. احست رجاء بلسعة برد تخترق ملابسها فاحكمت جاكيت الصوف الاسود حول جسدها وهي تسرع الخطى نحو مدخل الكنيسة العريض .. كان الهدؤ يسود المبنى في هذا الوقت المبكر .. احست بالانقباض وهي تسمع طرقعات كعب حذائها على الارضية الاسمنتية الجافة ... ما ان فتحت الباب الداخلي حتى داهمتها رائحة البخور ودفئه .. وملاتها سكينة المكان براحة كانت تحتاج اليها ...اغلقت الباب خلفها ووقفت تنظر بخشوع الى تمثال المسيح المعلق بالحجم الطبيعي في نهاية القاعة الكبيرة ... رسمت علامة الصليب بيدها على صدرها .. اعادت وشاح الدانتيل الاسود الذي انحسر عن راسها الى مكانه وبدات تخطو في الممر الضيق الذي يفصل بين صفوف الكنبات الخشبية المتراصة طولياً بلونها البني الداكن .. كانت تحس بالتعب واعترتها رغبة بالجلوس .. فاختارت طرف كنبة في مقدمة الصفوف وجلست .. رفعت وجهها الشاحب في مواجهة حزم الضوء المتسللة عبر النوافذ الكبيرة التي تغطي جنبات المبنى القديم وهي تتأمل باعجاب لا يفتر دقة الرسوم الملونة على زجاج النوافذ والتي طغت عليها الوان السماء والبحر وحمرة الشفق عند المغيب .. ذكرتها دقات ساعة بعيدة ما اتت من اجله فنهضت بتثاقل واتجهت الى نهاية القاعة .. انحرفت الى اليمين ووقفت امام طاولة عالية وضعت فيها كمية من الشموع تحت صورة مضيئة لمريم العذراء .. شبكت كفيها بقوة امام صدرها ورفعت نظراتها المتضرعة الى التمثال في صلاة صامتة ثم حملت احدى الشمعات واشعلتها ووضعتها على الحامل وهي تجفف بالمنديل الابيض الصغير دمعة حارة انحدرت على
    تحاملت على نفسها واتجهت خلف المذبح الى باب مقوس صغير يؤدي الى باحة واسعة تمركزت في وسطها نافورة جافة واحاطت بها اشجار الجوافة والمانجو والنيم ... قادتها خطواتها الى مكاتب الادارة ودقات قلبها تنافس تصارع انفاسها وهي تتوقع رؤية ابنتها التي غادرت المنزل منذ اسبوع ولجات الى بيت عمها الكبير الذي اخبرهم في مكالمة هاتفية مقتضبة ان ابنة اخيه ستظل عنده وامرهم بتجهيز ملابسها واغراضها وتسليمها للرسول الذي سيرسله .. عندما طالبته رجاء الباكية بان يدعها تكلم ابنتها رفض واغلق الهاتف في وجهها بفظاظة جعلتها طريحة الفراش منذ ذلك الوقت .. اخيراً توقفت امام باب خشبي ثقيل طرقته بنعومة ودلفت الى الداخل وهي تبتسم للمراة الاكبر سناً التي احتل مكتبها الضخم ربع مساحة الحيز الصغير .. كانت تبدو ضئيلة بنحافتها الملحوظة وشعرها الفضي المشدود الى الخلف مظهراً ملامح الوجه المتغضن .. ارتسمت على وجهها ابتسامة عريضة حانية وخرج صوتها عالياً بنبرة حادة وهي تحيي زائرتها ...
    - رجاء ؟؟!! اهلاً وسهلاً .. ازيك يا وحشة ... وينك ؟؟ من زمان ما شفناك ؟؟!! ..
    اندفعت رجاء نحوها وقبلت خديها بحرارة ...
    - اهلاً يا ايزيس .. كيفك وكيف اولادك ؟؟ ...عارفة اني متلومة معاك .. لكن يشهد ربنا كل ما انوي اجيك تحصل حاجة واتلخم فيها .. براك عارفة مشاغل الدنيا المخليانا حتى روحنا ما لاقينها .. قسيس نجيب موجود ؟؟ فاضي ولا مشغول ؟؟!! ...
    رمقتها ايزيس بنظرة فضولية مستفسرة ..
    - موجود بس معاهو واحد من الشمامسة الصغار .. اقعدي اشربي معاي القهوة على بال ما يخلص على الاقل تحكي لي اخبارك واخبار اولادك .. انتي اخوك دة ما ناوي يتجوز ولا شنو ؟؟ هو فاكر روحو لسة صغير .. الفي عمرو اولادهم بقوا طولهم .. انا عندي ليهو عروس ممتازة وكنت ناوية اجيك مخصوص عشان اكلمك في الموضوع دة بت ما بتتفوت يا رجاء .. ادب وتعليم واخلاق ومن عيلة ملتزمة ومرتاحة ..
    - والله ياريت .. ايدي على كتفك يا ايزيس .. انا بتمنى انو يعرس ويستقر ويجيب عيال تصدقي انا حاسة بالذنب لانو نسى روحو بسبب مسئوليتي انا وعيالي .. والمسيح يا ايزيس ما بيمر يوم الا واتكلم معاهو في موضوع العرس .. رشحت ليهو بنات اشكال والوان وهو عامل لي ودن من طين والتانية من عجين ..
    - خلاص يا رجاء خلي الموضوع دة عليّ .. انا ياما عرست لاولاد وبنات من جماعتنا شوفي الاحد الجاي لازم تجيبيهو معاك الكنيسة يحضر القداس .. وما تجيبي ليهو أي سيرة .. خليني انا اتصرف بطريقتي واعرفهم على بعض .. متاكدة انها حتعجبو .. البت حلوة وبتعجب أي حد .. الا صحي عاوزة اسالك ... ليه جانيت خلت كنيستنا ؟؟ انا بالاول ما صدقت وقلت مستحيل بت رجاء ترتد بالصورة دي .. لكن لمن خلت الشغل هنا وعرفت انها اشتغلت هناك اتاكدت انو الكلام صح ... ليه كدة يا رجاء ؟؟ الحصل شنو ؟؟!! ...
    كانت رجاء تستمع الى الكلمات المندفعة من فم ايزيس بقلب واجف ...لقد تحققت اسوأ مخاوفها .. انسلاخ ابنتها من الكنيسة التي تعمدّت فيها وانضمامها الى كنيسة اشقاء زوجها جعلها توقن بانها قد فقدتها الى الابد .. اندفعت دموعها بغزارة وارتمت على الكرسي بعد ان احست بقدميها تلتويان تحت حمل جسدها ... خرجت ايزيس من وراء مكتبها بانزعاج وجلست في الكرسي الملاصق لرجاء .. امسكت يدها بتعاطف وخاطبتها بلهجة امومية حنونة ...
    - بسم الصليب ... مالك يا رجاء ؟؟ .. والله لو عارفة سؤالي بيعمل فيك كدة ما كنت سالتك ..لكن انتي عارفة انا طول عمري باعتبرك زي اختي الصغيرة واولادك زي اولادي اهدي وكلميني الحاصل شنو ؟؟ !! ...
    قبل ان ترد رجاء فتح الباب خلف مكتب ايزيس وعلى عتبته ظهر فتى يافع بملابس الشمامسة الفضفاضة .. ومن خلفه قسيس نجيب بثوبه الاسود والصليب الفضي الكبير المتدلي من عنقه .. ملات الابتسامة وجهه الصبوح وهو يرحب برجاء ثم تبعتها تقطيبة حيرة لمراى الدموع على خديها ربت على كتف الفتى وامره بالانصراف ثم تقدم نحو رجاء التي انحنت وقبلت يده باحترام .. قادها بصمت تجاه باب مكتبه .. وقبل ان يتواريا خلفه التفت الى ايزيس وامرها بحزم ..
    - ما تخلي أي حد يدخل علينا ...
    استقر خلف مكتبه القديم وجلست رجاء في مواجهته .. تاملها بصمت العارف وبنظرات مشفقة .. انه يحترم هذه المرأة التي صارعت الحياة من اجل ابنائها .. ورفضت اكتر من زوج رشحه لها برغم شبابها وجمالها .. وكان جوابها ثابتاً لا يتغير ..
    - انا بعد ابو اولادي ما عاوزة حد تاني .. بتكفيني ريحتو فيهم .. ربنا يقدرني اربيهم واعلمهم وهم بعدين يشيلوني ..
    بذل المستحيل لاقناعها .. لكنها اصرت على موقفها بعناد وتصميم لم تلينه الايام ولا الظروف ..
    - كنت متوقع جيتك يا رجاء ولمن اتاخرتي نويت أمر عليك في البيت الليلة ولا بكرة .. الحصل شنو ؟؟ جانيت مالها ؟؟
    - كنت جاياك قبل كم يوم يا ابونا .. بس العملتو جانيت هدّ حيلي ورقدت رقدة ما قمت منها الا الليلة وعلى طول جيتك ..هي صحي خلت الكنيسة هنا ومشت كنيسة اعمامها ؟؟ ليه خليتها تعمل كدة ؟؟ انت مش عارف الناس ديل وطريقة تفكيرهم واسلوبهم الغلط ؟؟ ديل متعصبين وعنيفين وبتاعين مشاكل وحياخدوا بتي في سكتهم .. ليه كدة يا ربي ؟؟ يعني انا اربي واكبر واعلم وهم يجوا ياخدوها على الجاهز ويحرقوا قلبي عليها ؟؟ ليه ما منعتها ؟؟ ليه خليتها تمشي معاهم ؟؟ انا كنت مطمنة على وجودها هنا معاك ومع ايزيس وعارفاكم بتاخدوا بالكم منها .. وقلت كلها كم يوم وتهدا وترجع البيت .. وانا الليلة جيت مخصوص عشان ارضيها واسوقها معاي البيت .. لكن هسة خلاص .. بتي ضاعت يا ابونا ... انا عاوزة بتي ترجع لي .. جيبوا لي بتي ..
    انفجرت رجاء في نحيب ينضح بالالم .. فهب قسيس نجيب من مكانه وجلس قبالتها ... امسك يديها المرتعشتين وبدا يكلمها بصوت مطمئن وبلهجة ابوية حانية ..
    - شوفي يا رجاء .. انا ما حقلل ليك من خطورة مشي جانيت عند اعمامها ... كلنا عارفين طريقتهم الغلط في التعامل وبنرفض اسلوبهم ومعالجتهم للامور .. لكن كمان الانتي بتعملي فيهو دة ما بيجيب نتيجة .. لازم نفكر بهدوء كيف نرجعها .. هي في الاصل سابت البيت ليه .. زعلتوها في شنو ؟؟ احكي لي عشان اعرف احل المسألة ...
    شعرت رجاء بتردد طفيف في ترديد اتهامات ابنتها .. ثم قررت ان تخبره كل شئ فهو الوحيد القادر على مساعدتها .. اخبرته عن تشدد ابنتها والمواجهات الدائمة بينها وبين شقيقيها .. حتى الحدث الاخير الذي فجر المشكلة التي التي هجرت على اثرها المنزل .. كان يستمع اليها بانتباه شديد دون ان يقاطع حديثها المتهدج حتى افرغت كل مخاوفها بين يديه .. اعتدل في جلسته وبدت علامات الجدية على محياه ..
    - يا ريت لو كنتي جيتيني من بدري يا رجاء .. على الاقل كنت اتكلمت معاها ولحقتها قبل ما الافكار الغريبة ددي تسيطر عليها .. يمكن انا متفق معاها في حاجات زي عدم التزام جمال بالكنيسة برغم انو ولد شاطر واخلاقو ممتازة .. لكن فعلا ما بيجي هنا الا نادراً .. ما بيحضر قداس الاحد بانتظام وما بيشارك في أي نشاط ... لكن انا عذرتو عشان ظروف دراسته ومتاكد انو بعد ما يخلص الجامعة حيجي ويبقى عضو فعال في نشاط الكنيسة ... لكن جاكلين ملتزمة وبتشارك في كل شئ .. هي صحي شوية مهرجلة ومرات بتغيب .. لكن عموما من بناتنا الكويسات الانا باعتمد عليهم في أي نشاط .. جانيت بالتاكيد متاثرة باعمامها شديد .. عشان كدة بقت متطرفة في افكارها وتصرفاتها وشايفة الناس كلها غلط .. لكن ما تخافي ... انا حوصي عليها هناك وحخلي حد ياخد بالو منها ..وكمان ححاول الاقيها واتكلم معاها يمكن اقدر اقنعها ترجع هنا وترجع البيت كمان ...
    - ياريت يا ابونا .. ياريت تكلمها وتقنعها .. انا ما قادرة اقعد في البيت من غيرها وحاسة انو حتة من قلبي اتقطعت ...
    - ما تشيلي هم يا رجاء ... ارجعي بيتك وخلي بالك من صحتك .. انا حاهتم بالموضوع
    رافقها حتى الباب وظل يراقبها وهي تودع ايزيس بحرارة وتغادر بخطوات متعبة .. التفت الى المراة النحيلة وخاطبها بصوت شارد مهموم ..
    - تعرفي يا ايزيس .. رجاء عندها حق في خوفها على بتها ... انا سمعت كلام كدة انو اعمامها بدوا يشجعوها تطلع حملات تبشير في الحتت لبعيدة .. وانتي عارفة حملات التبشير ممكن تتعرض لشنو ودي بت صغيرة وما عندها خبرة .. ومرات الحماس مع عدم الخبرة بيبقى خطر ...
    تتمت ايزيس بصوت خافت ..
    - يا يسوع .. دي كانت بتقى مصيبة لو الكلام دة طلع صح .. ولو رجاء عرفت حتقع من طولها ..
    - انا ما كلمتها .. وانتي كمان ما تجيبي ليها سيرة الموضوع دة خالص لغاية ما انا اتاكد واحاول اتكلم مع البت واقنعها ترجع .... برغم اني عارف كمية المشاكل الممكن ادخل فيها مع الجماعة ديل لو فكرت اقلعها منهم ... هم خاتين قانون انو البيدخل معاهم ما يطلع منهم تاني الا على ظهره ...
    دخل مكتبه واغلق بابه تاركاً ايزيس في حالة خوف وقلق ...


  3. #18

    الحالة
    غير متصل
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    المشاركات
    38

    افتراضي

    الفصل الثامن عشر


    جلست محاسن في الكرسي الملاصق لسرير السرة بتوتر تنبئ عنه حركة قدميها المتقاطعتين اللتين تهتزان بعنف .. كانت ملامحها المتجهمة ونبرة صوتها الحادة تدلان على غضبها ..
    - اعمل شنو يالسرة ؟؟ .. ابو عمار حلف عليّ طلاق لو ما جيت معاهو نخطب بت نعمات .. لكن انا اصريت اجيك الاول واوريك الحاصل عشان ما تزعلي مني ...
    نفخت السرة دخان سيجارتها بعصبية تبعتها سعلة قوية .. وعلت وجهها ابتسامة متشنجة ساخرة ..
    - شنو قصة حلفان الطلاق الواقعين فيها الرجال ديل اليومين دي ؟؟!! هم قايلين روحهم بمسكونا من يدنا البتوجعنا ؟؟ ومالو الطلاق ؟؟ لا حرام ولا عيب .. الطلاق حق بنات الرجال ...
    - سجمي يالسرة !! طلاق شنو البتتكلمي عنو بعد العمر دة ؟؟ دي فضيحة تقعد لينا لجنى الجنى .. والناس تقول طلقونا بعد ما بقينا حبوبات .. انا برّيت قسم ابو اولادي وجيت معاهو .. لكن رجلي ما بشيلها اوديها لبيت نعمات .. باقعد معاك هنا عشان اوريها اني ما دايرة بتها .. انا بس لو عرفت قشيرة دي سوت للولد شنو ؟؟!! .. بقى ما شايف غيرها وقال يا هي يا بلاش .. ولا كمان يالسرة ياختي ما شفتي الولد التاني المفعوص المسجم جاني بعد عرس رحمة وقال لي يا امي ما شفتي فاطنة بت ابراهيم بقت سمحة كيف !! عليك الله ما تخطبيها لي .. قلت ليهو والله ياهو الفضل كمان .. دة يكون آخر يوم في عمري كان خليتك تعرس بت حبيبة ..
    كانت محاسن تتكلم باندفاع .. لكن نظرة خاطفة الى ملامح السرة انذرتها بالخطر .. فقد تحولت تعابيرها من الغيظ الى الغضب .. ضاقت عيناها وارتفع راسها الى اعلى بتحد ... وخرجت كلماتها هادرة لتؤكد انفعالها ..
    - محاسن ؟؟ انتي قلتي لولدك ما يفكر يعرس بت ابراهيم ؟؟ ليه ياختي مالها فاطنة ؟؟!! هو انتي اديتي الكبير لبت المرة الخطفت راجلي ومستخسرة التاني في بت ولدي ؟؟!!
    - اجي يا يالسرة !! انتي نسيتي امها منو ؟؟ جدها وحبوبتها منو ؟؟ خيلانها منو ؟؟ عاوزاني ادي ولدي لبت الخادم ؟؟ على الاقل بت نعمات حرة ومرة واصلها ما فيهو كلام .. لكن بت حبيبة ..
    قاطعتها السرة بحدة جعلتها تبتلع بقية كلماتها ...
    - هوي يا محاسن هوي ... اوعي لروحك وشوفي انتي بتقولي شنو .. فاطنة ما بت حبيبة ... فاطنة بت ابراهيم ولد ابراهيم ود حسن الامين العمدة ... حبيبة دي قربة وفرغّت ... والبيابا بت ولدي الواحد معناها اباني انا زاتي .. يا اختي يا بت امي وابوي يا العاملة فيها متضامنة معاي .. جاية تقولي لي بت نعمات حرة ومرة ؟؟!! .. سمح وقت كدي المقعدك هنا شنو ؟؟ ما تقومي تمشي ليهم ...
    - انتي بتطرديني من بيتك يالسرة ؟؟ دة جزاي الابيت امشي مع ولدي واول فرحتي عشان خاطرك ؟؟ ... سمح ياختي ..كتر خيرك .. لكن انتي ما غلطانة .. انا الغلطانة العملت ليك خاطر اكتر من راجلي وولدي ..
    هبت من مكانها بغضب واندفعت خارج الغرفة كالعاصفة وكادت تكتسح في طريقها بلقيس التي انحرفت وهي تجاهد للحفاظ على استقامة كوب العصير بعد ان مال وتدفق محدثاً فوضى في المكان..
    - مالك يا خالتي محاسن !! .. ماشة وين ؟؟ ...
    - ماشة بيت نسيبتي ... يمكن تحترمني اكتر من اختي ..
    في منزل نعمات امتلات الصالة الفسيحة بالرجال بينما ضاقت غرفة الضيوف بقريبات صاحبة المنزل وصديقاتها .. حول طاولة الطعام في المطبخ جلست نعمات وقد بدت علامات الغيظ والغضب على ملامحها وهي تستمع الى كلمات امها الهامسة ..
    - دة كلام دة يا نعمات ؟؟!! .. يجونا اخوات الولد بدون امو وخالاتو ؟؟ انتي كيف توافقي على حاجة زي دي ؟؟ اميرة دي ست البنات على حدهن وتشرف أي راجل واهله .. عشان شنو امو ما تجي ؟؟ قولي الباقيين اصلهم قاعدين تحت جناح السرة وبيخافوا يزعلوها .. لكن الام ما تجي تحضر عقد ولدها ؟؟ غايتو ديل ناس غريبين بالجد ... هم قايلين روحهم شنو ؟؟ احسن من باقي الله بشنو ؟؟
    ردت شقيقة نعمات بنفس طبقة الهمس ..
    - هو انتي زاتك يا نعمات بعد المغصة المسويها ليك حامد.. كيفن تدي بتك لواحد من اهلو ؟؟ مالك ما سمعتي بالمثل البقول كفاية من الدستة مغرفة ؟؟ وديل كمان مغرفتهم سقتك الحنضل .. مش كفاية انو حامد عرس فيك وانتي لسة نفسا ؟؟ مش كفاية الطريقة الاتعاملوا بيها معاكي ومعانا من يوم ما عرستي حامد ؟؟
    انطمس الهمس الدائر بينهم بفعل زغرودة منغمة عالية اصابت الجميع بالوجوم ...
    - دي منو دي البتزغرد بالحماس دة ؟؟
    أتت الاجابة من نادية التي دخلت بوجه متهلل ...
    - أمي ... حبوبة .. تعالوا بسرعة دي ام العريس جات ...
    تبادل الجميع نظرات مشحونة بالدهشة .. نهضت نعمات بتثاقل وخرجت من المطبخ تتبعها امها وشقيقتها .. وما ان وطأت قدماها ارض الغرفة المزدحمة حتى تعالت الزغاريد وبادرتها محاسن بسلام حار ردته نعمات بحرارة مماثلة لا تخلو من التعجب ...
    - وينها عروس ولدي ؟؟ نادوها لي اسلم عليها ..
    تطايرت النظرات بين نعمات ووالدتها التي تنحنحت باحراج قبل ان ترد ..
    - معليش يا محاسن .. ما جهزنا اميرة لقعدة برة عشان الموضوع جا سريع ...
    - أجي !! يعني ما حشوف عروس ولدي ؟؟ دة كلام شنو دة يا نعمات ؟؟ وروني مكانها وانا بمشي ليها بنفسي ..
    في لحظات اندفع فوج من النساء تتقدمه نعمات قاطعاً الصالة وسط دهشة الرجال الموجودين .. فوجئت اميرة بباب غرفتها يفتح وغابة من الاذرع تمتد اليها وتنقلها من شخص لآخر بينما صمّ صدى الزغاريد اذنيها ... في الخارج تعالت طلقات الرصاص لتعلن انتماء اميرة لعمار رسمياً ...
    بعد ان انفض الجمع وخلا المنزل من زوراه .. جلست اميرة في غرفتها هائمة تعبث بخصلات شعرها الناعمة .. ويعبث بها خيالها وقد اكتسحتها سعادة عميقة وتفجرت احساسيها المكبوتة تجاه عمار لتغمرها بفرح لم تظن انها سوف تشعر به يوماً .. ارتسمت ابتسامة عريضة على شفتيها تراقصت على اثرها غمازتيها وتعمقتا في خديها لتضفي على وجهها الفاتن سحراً مشرقاً ... عندما دخلت نادية ونظرت الى شقيقتها ... احست بحسرة تغمرها لعلامات الرضى والسعادة المرتسمة على ملامحها ... وتذكرت يوم زواجها من زاهر .. كان مليئاً بالخوف والتوجس ... حفه الصمت وغاب عنه ضجيج الفرح فلم تسمع صدى زغرودة تطرق اذنيها .. وتوارت فرحتها خلف القلق العميق الذي انتابها بسلامة تصرفها .. لكنها لم ولن تشعر بالندم على قرارها .. زاهر هو رجلها وحب حياتها .. معه تحس بانوثتها كما لم تشعر بها مع احد آخر .. وهو يعاملها كأنها اميرة متوجة على عرش النساء ... لن تخذله ابداً .. وستحارب من اجله ان استدعى الامر ...
    - مبروك يا اميرة ... ربنا يتمم ليك على خير ...
    احتضنتها بشدة .. وترقرقت عيناها بالدموع عندما اتاها الرد التلقائي ..
    - الله يبارك فيك يا نادية ... عقبالك ...
    ابتعدت عنها نادية وهي تنظر اليها بحزن ..
    - انا معرسة يا اميرة ... ولا انتي نسيتي ؟؟!! ..
    اختفت كل علامات الرضى والسعادة من وجه اميرة وحلت محلها تقطيبة ضيق عميقة .. انحبست انفاسها عندما عاودتها ذكرى ذلك المشهد المخزي الذي بذلت المستحيل كي تنساه .. لكنه ظل يطفو على سطح ذاكرتها بقسوة وعناد متحديا ارادتها ...
    - نادية !! انا مش قلت ليك كلمي امي ؟؟ ما كلمتيها لغاية هسة ليه ؟؟ انا اديتك فرصتك كاملة عشان الكلام يجي منك ما يجي مني انا .. لكن بعد دة ما حتستر عليك .. وحكلمها... انتي يا بت ما قادرة تستوعبي حجم الشئ الانتي عملتيهو ولا ما مقدرة نتائج تصرفك دة ممكن تكون شنو ؟؟!! ...
    همست نادية بخجل بعد ان لطمتها هي الاخرى ذكرى المشهد الذي وجدتها فيه شقيقتها ...
    - ما تخافي ما حتكون في نتايج .. حالياً على الاقل .. انا وزاهر متفقين .. وهو عامل حسابو كويس ..
    اعتراها قلق قوي بعد ان نطقت كلماتها .. دخول اميرة المفاجئ اتى في لحظة حرجة ... لحظة كان زاهر يجد صعوبة في التحكم فيها حتى في الاوقات العادية .. لكنها في تلك الليلة حدث شئ لم تعتده في لقاءاتها السابقة مع زوجها ... شئ لم تفكر فيه وقتها لاحساسها بالخوف والحرج وانشغالها بتبرير موقفها .. لكن بمرور الايام تزايد قلقها ولم تجرؤ على سؤال زاهر عما حدث في المكالمات التلفونية المختلسة التي كانت تجريها عندما تضمن خلو المنزل من الجميع .. اصبح مرور الايام كابوس يجثم على صدرها ويخنق انفاسها ... وبات العد هوايتها المرعبة ... عندما تم ذلك اللقاء المشئوم كان قد مر اسبوع على انقضاء دورتها الشهرية .. والآن شارفت الاربعة اسابيع على الانتهاء .. الايام القليلة القادمة ستحدد صحة مخاوفها من عدمها ... لم تعد تملك غير الدعاء لله بان لا يكشف سترها ... اخرجها صوت اميرة الممتعض من افكارها المتلاطمة ..
    - نادية !! انا ما بتكلم عن حمل مع انو بعد الشفتو اليوم داك حيكون احتمال وارد .. انا هسة بتكلم عن فضيحتنا قدام الناس لمن يعرفوا انتي عملتي شنو ... عٌرفي يا نادية ؟؟!! انتي يا بت ود العمدة تعرسي عُرفي ؟؟!! .. بالدس وكانك بتسرقي ؟؟!! ومنو ؟؟ واحد نكرة .. لا اصل ولا فصل ولا اسم يشرف ... واحد اكتر شئ كان ممكن يوصل ليهو في الظروف العادية انو يشتغل عند ابوي في الدكان ...
    - أميرة !! .. انا قلت ليك قبل كدة ما تتكلمي عن زاهر بالطريقة دي .. دة راجلي وانا باحبه ... هسة انا لو اتكلمت ليك عن عمار بالطريقة دي بترضي ؟؟!!
    - تتكلمي عن عمار ؟؟!! هو عمار فيهو حاجة تتكلمي عنها ... وهو اصلاً في مقارنة بين عمار وزاهر بتاعك دة ؟؟!!
    - ليه مافي مقارنة يا اميرة ؟؟ راجلي ناقصو شنو من راجلك ؟؟!! .. زاهر شاطر واول دفعتو كل سنوات دراستو في الجامعة ... وظيفتو مضمونة اول ما يتخرج .. انسان خلوق وشهم وحنين وبيحبني عشاني انا .. لشخصي ... مش عشان انا نادية بت حامد الامين ود العمدة .. ولعلمك .. زاهر من اسرة كبيرة ومحترمة في منطقتهم .. يعني ما زول أي كلام زي ما انتي متخيلة ....
    - كلام جميل يا نادية .. لكن هل انتي مقتنعة بيهو ؟؟ واذا كنتي مقتنعة بيهو.. ليه عرستي بالدس .. ما كان تخلي يجيب اهلو ويجي البيت .. يقابل ابوي ويطلبك منو رسمي !!
    تدافعت الدموع من عيني نادية وهي تستمتع الى لهجة اميرة المهينة بحقها وحق الرجل الذي تحبه ..
    - تعرفي يا اميرة قدر ما اقول ليك انا مخذولة فيك قدر شنو ما حتتخيلي .. طول عمري كنت قايلة عقلك كبير وفهمك واسع وبيتخطى عمرك ... كنت قايلاك انسانة واعية ومثقفة ومنفتحة .. كنت قايلة قلبك كبير وبتعرفي يعني شنو انك تحبي انسان ويبقى دنيتك كلها ... كنت معتمدة عليك تقيفي معاي وتسنديني لمن احتاج ليك .. لكن للاسف طلعتي قاسية وقلبك بتحكمو افكار عنصرية تافهة عن لون وجنس وقبيلة .. زيك زي أي واحدة جاهلة مخها ضيق ومتبنية تفكير امها وحبوبتها ...
    انخرطت نادية في نحيب متالم جعل اميرة تحس بالذنب لبرهة .. ثم عاودتها ذكرى المشهد المخجل ونظرات زاهر المتحدية .. فغاب تعاطفها الهش في التو واللحظة ...
    - اسمعي يا نادية ... ما تفلسفي الامور وتحاولي تطلعي نفسك صح والعالم كلو غلط ... انا بعرف حاجة واحدة بس .. الصح ما بتعمل في الضلمة وبالدس .. الصح ما بيخجَل ولا بيحرج .. الصح بيكون في النور .. قدام العالم كلو ... الصح زي العملوا عمار لمن جا لابوي وطلب يتزوجني والناس كلها عرفت ... اسالي نفسك اذا انتي فعلاً صح ليه حاجاتك كلها مدسوسة ؟؟ !! ...شوفي يا نادية انا باحذرك للمرة الاخيرة ... لو ما كلمتي امي انا حكلمها ...
    - تكلميني بشنو يا اميرة ؟؟ ...
    صدرت شهقة مشتركة من الفتاتين الغافلتين عن وجود نعمات ... تجمدت حركتهما واصبحا تمثالين بعيون متسعة خائفة ...
    - اميرة ... انطقي سريع ... تكلميني بشنو ؟؟ .. اختك عملت شنو وداسيين مني ؟؟
    جاوبها صمت اميرة ودموع نادية الغزيرة ...ارتفع صوت نعمات بشكل هستيري وهي ترى حال ابنتيها الغريب ...
    - قسماً عظماً لو ما اتكلمتوا سريع الا ارسل اجيب ابوكم واخلي هو يتصرف معاكم .. اتكلمي يا نادية في شنو ؟؟ ... عملتي شنو ؟؟
    لم تستطع نادية مواجهة الموقف فركضت خارجة بعد ان تملصت من محاولة نعمات للامساك بها بقوة غريبة امدها بها خوفها ..ووجدت اميرة نفسها وحيدة في مواجهة عيني امها اللتين تطلقان شررا ينذر بالخطر ...
    - امي .. عليك الله اهدي .. انتي زولة ست عيا والانفعال ما كويس عشانك ... انا بحكي ليك بس لازم تروقي وتسمعيني براحة .. الموضوع عاوز هدوء لانو أي جوطة فيهو حتعمل لينا فضيحة ...
    انتفضت نعمات وشهقت بقوة ...
    - سجمي فضيحة ؟؟ فضيحة شنو يا اميرة ؟؟ اختك عملت شنو ؟؟
    تكلمت اميرة بصوت منخفض وهي تنتقي عباراتها .. حكت لامها عن الخطوط العريضة دون ان تخوض في التفاصيل .. عندما صمتت اخيرا وهي تهنئ نفسها على لباقتها ورفعت عيناها لتنظر الى رد فعل امها ... فوجئت بها تتهاوى ارضا كقطعة طوب ... تعالت صرخاتها مدوية فشقت سكون الليل وفي لحظات امتلا المنزل بسكان الحوش الكبير فيما عدا السرة التي كانت تشعر باعياء شديد لم يمنعها من اطلاق تعليقها الساخر ..
    - تلقاها ما اتحملت فرحة بتها العرسها زينة شبابنا ... الله يشيلها هي وبتها في يوم واحد عيلة خطافين رجال ...
    عج المستشفى الخاص باسرة ود العمدة التي رافقت نعمات الغائبة عن الوعي ... وقف حامد يستمع الى الطبيب بانزعاج ...
    - للاسف يا حاج حامد .. الارتفاع المفاجئ في الضغط عمل جلطة .. الكويس انكم جبتوها سريع ... احنا حالياً سيطرنا على الضغط ....ونأمل انو الجلطة تكون خفيفة وآثارها بسيطة ...لكن ما حنقدر نعرف حجم الضرر الحصل الا لمن تفوق .. واحنا هسة اديناها مهدئ عشان تنوم اطول فترة ممكنة لغاية ما الضغط ينزل لمستواه الطبيعي يعني لبكرة انشاء الله بتتضح الرؤية .. عشان كدة انا باقترح عليكم كلكم ترجعوا البيت وتخلوها لينا وما تخاف حتكون في ايدي امينة وانا بنفسي حأشرف عليها .. وبعدين هي اصلاً ما واعية بوجودكم .. يعني قعدتكم ما عندها معنى غير التعب ليكم .. وبصراحة اللمة والازعاج ما كويس عشانها وكلما قل عدد الناس الحواليها يكون احسن
    - خلاص انا بقعد معاها والباقيين يمشو ... ابراهيم .. سوق اخواتك وارجع البيت ..
    تصاعدت جمل محتجة هنا وهناك .. واصوات باكية تطالب بالبقاء تكفلت ضربة غاضبة من عصا حامد على الارض باسكاتها .. وتبع الجميع خطوات ابراهيم العجولة خروجاً ..وقبل ان تختفي اميرة خلف الباب التفتت الى والدها برجاء ...
    - ابوي انا حجي بكرة الصباح بدري ..
    اجابها بشرود ..
    - اتصلي براجلك وخلي يجيبك ... وانت يا ابراهيم امشي السوق واقعد في المحلات لغاية ما انا ارجع...
    ادار ظهره واتجه الى غرفة زوجته .. دخل واغلق الباب بحرص .. وقف طويلاً يتامل الاجهزة التي تحيط بها وترسل اشارات منتظمة الى الشاشة المثبتة اعلى راسها .. حمل كرسي صغير من احدى الزوايا ووضعه بالقرب من سريرها وجلس بتعب ينظر الى ملامحها الشاحبة .. احس بالعطف المخلوط بالذنب تجاهها .. لقد ادرك منذ اول ليلة لزواجهما مدى حبها له عندما منحته جسدها واحاسيسها بلا قيود .... لقد حاول ان يبادلها مشاعرها برغم اعترافه لنفسه بانه لم يتزوجها لانه احبها .. لقد اعجبته انوثتها المتدفقة ودلالها ... ارضى غروره انبهارها الواضح به ...شجعه على الارتباط بها رغباته التي نضجت بمرور الايام ولم تعد السرة قادرة على اشباعها ... ودفعته اليها امنيته بالحصول على الولد الذي عزّ حضوره .. كما كان يامل ان يغرق فيها وينسى حبه لامونة ...
    لكن بعد مرور عدة اشهر ايقن ان محاولاته للنسيان قد عمقت حبه اكثر للمراة الوحيدة التي عرف معها معنى الحب الحقيقي ... كان قد اعتاد تنسم اخبارها بسرية تامة .. وكما اعتاد ان يحتفل مع نفسه بكل نجاحاتها منذ الشهادة الثانوية وحتى تخرجها من الجامعة .. ظل يشعر بالفخر لتفوقها .. وبفرحة انانية كلما سمع عن رفضها لمن يتقدم طالبا يدها ... وعندما وافقت على الارتباط باحد زملائها في العمل بعد سنتين من تخرجها .. ركب سيارته وسابق بها الريح تجاه القرية ... وفي منتصف الطريق بدات التساؤلات تغزو عقله عن حكمة تصرفه .. كان مدركاً بان امونة سترفض الزواج ان هو طلب منها ذلك ولكن ماذا بعد ؟؟!!.. هل يرغب حقاً في ان يراها وحيدة وتعيسة حتى نهاية حياتها ؟؟!! ... لقد ضحت به وبحبها الكبير له من اجل استقرار اسرته .. هل يكافئها بطلب اناني يحكم عليها بالعنوسة الى الابد ؟؟ .. عندما توالت الاجات الرافضة لانانيته ادار مقود سيارته وعاد ادراجه ... في تلك الليلة دهشت السرة من عنف زوجها ورغبته المتوهجة وقد اعتادته عجولاً ..هادئا وروتينياً ... كان يفرغ شحنات انفعاله في جسدها المستسلم .. وكعادته في لحظة اكتفاؤه .. نطق باسم امونة بصوت حزين مبحوح ...
    في ليلة زفافها هرب الى ملجاه المفضل .. جلس في منطقة منعزلة امام النيل وبكى بحرقة .. ومثّل خبر سفرها مع زوجها المبعوث الى الخارج عزاؤه الوحيد .. فهو لم يكن يثق في نفسه وردة فعله إن رآها وقد اصبحت ملكاً لرجل آخر ... .. خلال السنوات التالية انعدمت أي فرص لقاء بينهما خصوصا بعد ان اختار زوجها البقاء في غربته عندما حصل على عرض مغر من احدى الجامعات هناك ... كانت تحضر الى الوطن في اجازات متباعدة ... ولم يلتقيا الا بعد عشر سنوات من زواجها عندما حضرت لوفاة والدتها ... كان قوامها النحيل قد اذداد بضعة كيلوجرامات تشكلت في استدارات ناعمة زادتها جمالاً وانوثة ... بينما احتفظ وجهها بملامحه الطفولية الآسرة التي تحتل ذاكرته باصرار عنيد ... ارتعشت يداه المرفوعتان لقراءة الفاتحة امام وجهها .. وعندما احتضن كفها الرقيق بكلتا يديه وغاص واستكان بدعّة بين كفيه العريضين احس بدوار يكتنفه .. واحتبست انفاسه في حلقه .. هربت منه الكلمات وظل يحدق في تفاصيلها الدقيقة بشوق جائع وهو يتنسم رائحتها العطرة .. كانت هي تتامله بارتباك ونظرة غامضة تراود عينيها الحزينتين ... عندما تحرر الكلام السجين من بين شفتيه .. ادهشته العبارة التي خرجت منه دون ان يملك السيطرة عليها ..
    - نسيتيني يا امونة ؟؟!! ...
    شحبت من وقع سؤاله .. لكنها اجابته بهمس ناعم ...
    - انساك يا حامد ؟؟!! الظاهر انت النسيت !! ... نسيت الكلام القلتو ليك آخر مرة لمن اتلاقينا في المستشفى ؟؟ قلت ليك انت زي دمي الجاري في عروقي .. زي دقات قلبي زي نفسي الطالع من صدري .. عمرك سمعت بدم نسى يجري ؟؟ ولا قلب نسى يدق ؟؟ ولا نفس نسى يدخل ويطلع ؟؟ وقلت ليك كمان مافي راجل ولا مرة بيقيفوا بيني وبينك .. لانو البيني وبينك دة لا بتغير ولا بتاثر ولا بنتهي ...
    خنقتها دموعها فصمتت .. لم يدر هل تبكي امها .. ام تبكي روحها .. ام تبكيه هو .. لكنه احس بفرحة كانت قد غادرته منذ سنين ...
    - عارفة يا امونة .. كلامك دة حيبقى لي زاد لغاية نهاية عمري ...
    خرجا من حالة السحر التي غلفتهما بصراخ نسوة اتين ليقدمن واجب العزاء للابنة المكلومة .. وانعدمت فرصة لقاء آخر حتى عادت الى زوجها وحياتها البعيدة عنه ... مرت السنوات وهو يحمل كلماتها تميمة فرح يتحسسها كلما عصفت به الالام .. وعندما سمع بنبأ وفاة زوجها في حادث سيارة نجت منه هي بجروح استدعت شهور من العلاج في مهجرها قبل عودتها الى الوطن كان احساسه مزيج من الحزن والفرح ... اخيراً اصبحت حبيبته حرة .. ويستطيع الارتباط بها بعد ان تحرر هو ايضاً من وصاية الكل عليه ... تكررت زياراته للقرية واصبحت رعايته لابنة خالته الارملة امراً طبيعياً ولا يثير التساؤل .. وعندما طلبها للزواج قوبل بترحاب من اشقائها الغارقين في حياتهم والراغبين في التخلص من عبء رعاية شقيقتهم الارملة ... ملاته سعادة لا توصف .. وعاد ذلك الفتى العاشق الذي يجهز نفسه للزواج بحبيبته .. رسمت امونة خارطة بيتها بنفسها .. وانتقت كل قطعة اثاث على ذوقها .. فاصبح البيت الصغير جنته .. حاول ان يكون عادلاً بينها وبين زوجتيه ... قسم ايام الاسبوع بينهم بالتساوي .. واضاف اليوم المتبقي لايامها .. كان يرى علامات التانيب والغيظ والغيرة في وجهي نعمات والسرة كلما ذهب لاحداهما .. لكنه لم يهتم .. لقد ارضى الجميع لفترة طويلة .. وحان الوقت ليرضي نفسه .. اصبحت غرف نوم نسائه الاخريات مكان لاداء الواجب .. بينما صارت غرفة امونة هي العش الذي يحتضن حبه ويجعله متلهفاً للعودة اليه كلما غاب عنه ... احياناً كانت تدفعه غيرته من ماضيها لسؤالها عن زوجها المتوفي .. خصوصاً عندما تجمعهما اللحظات الحميمة وتناوشه ذكرى آخر منحته نفسها قبله .. وكانت دوماً تجيبه بابتسامة حانية متفهمة يتبعها صمت يحرق روحه ويقض مضجعه ..
    في احدى المرات التي تكور فيها في صدرها كقط كسول بعد وجبة دسمة سالها بغيرة ملحة ..
    - امونة ؟؟ كنتي بتحسي معاهو بنفس الاحساس المعاي دة ولا اكتر ولا اقل ؟؟ ... وما تتهربي من الاجابة زي كل مرة .. قولي وانا ما بزعل مهما كان ردك ...
    كانت لحظتها تعبث بخصلات شعره الناعمة بحنان وشغف .. فتوقفت يدها عن الحركة .. وعندما رفع اليها نظرات متسائلة وجد عيناها تتأملانه بحزن افزعه ...واتى صوتها الخفيض ليعمق ندمه على الحاحه ...
    - يا حامد المرحوم كان طيب شديد .. كفاية انو عرف من اول يوم انو في انسان تاني جوة قلبي .. واتقبل الوضع دة بكل هدوء وتفهم .. عمرو ما طالبني بشئ اكتر من الاديتو ليهو لانو كان متاكد اني مخلصة ليهو ولحياتي معاهو .. واني حافظاهو في بيتو وشرفو .. كان عارف انو الجواي دة شئ اكبر مني ومنو ومن زواجنا زاتو .. انا عملت كل البقدر عليهو عشان اسعدو واريحو .. وهو مقدر الشئ دة .. ولو بتسالني عن احساسي كان شنو في لحظة زي دي ما حقول ليك غير انو الشئ البحسو معاك ما حصل حسيتو في حياتي كلها ...
    انقبض قلبه عندما راى دموعها .. احتضنها معتذرا وجففها لها بشفتيه المتعطشتين دوما لعصير عينيها المالح ... بثها حبه واعتذاره فعلاً لا قولاً .. وانتشى بالاصوات الصغيرة التي كانت تصدرها وتعبر بها عن رضاها ... وكانت تلك آخر مرة يحس فيها بالغيرة من شبح زوجها الراحل .. مضت ايامه معها بمذاق الشهد حتى ظن ان لاسعادة اكبر من تلك التي يعيشها الآن ... حتى تلك الليلة .. كان متوسدا صدرها في رقدته المعتادة الوادعة بين ذراعيها عندما همست في اذنه ...
    - حامد ... بكرة عاوزة امشي الدكتور ..
    انتفض ونظر اليها بذعر ..
    - دكتور ؟؟!! ليه يا امونة ؟؟ مالك حاسة بشنو ؟؟
    كان محتارا من لمعة السعادة في عينيها والابتسامة المتراقصة على شفتيها ...
    - لا ابدا ً ..محتاجة اتاكد من حاجة .. ما تخاف ...
    - ما اخاف ؟؟!! كيف يعني ما اخاف ؟؟ امونة انتي عارفة انا ما باحمل فيك شئ ؟؟ قولي لي حاسة بشنو ؟؟ لو في حاجة واجعاك نقوم هسة نمشي الدكتور ..
    - نمشي وين نص الليل يا راجل ؟؟ وبعدين انا مافي حاجة واجعاني .. انا بس (غابّة) لي اسبوعين ..
    لم يستوعب في البدء المعنى الخفي لكلماتها .. وظل ينظر اليها ببلاهة في انتظار بقية تفسيرها وقد ازدادت دهشته من ضحكاتها المكتومة التي جعلت جسدها يرتج باغراء بين ذراعيه .. ثم بدات المعاني تتسلل ببطء الى عقله ... وفي لحظة انفجر بداخله نور غمر مكامن ادراكه واضاء وجهه فخرجت منه شهقة لا ارادية وسال بصوت تجاور فيه الرجاء مع عدم التصديق ...
    - امونة ... انتي حامل ؟؟!! ...
    لم يكن قد فكر منذ زواجهما في امكانية حملها باعتبار السنوات الطويلة التي قضتها مع زوجها بدون انجاب .. في واقع الامر لم يكن يهتم .. فزواجه بامونة لم يكن من اجل انجاب مزيد من الابناء .. لقد تزوج بها لاجلها هي .. لا يحتاج لغير وجودها ... فهي الحبيبة والابنة والام وكل ما يرغب فيه في حياته .. لكن فكرة حملها لطفله جعلته يحلّق من السعادة .. انهال عليها تقبيلاً حتى كاد يخنقها بعناقه وهي تضحك بحبور لتصرفاته .. اخيرا عندما استطاعت الكلام اتى صوتها جاداً ..
    - حامد .. كدة خلينا نمشي الدكتور اول ونتاكد .. ممكن ما يكون حمل .. احتمال اكون خلاص قطعت عشان كدة دورتي ما جات ....
    في عيادة الطبيبة جلس حامد وهو يشعر باضطراب في معدته وقلق شديد عبرت عنه دقات عصاته المتواترة على الارض ...
    - مبروك يا حاج .. المدام حامل ...
    نزلت كلمات الطبيبة بردا وسلاما على قلبه الملهوف ... احس وكانه يبشر باول طفل في حياته ... وغرقت امونة في بحر من الدلال طيلة شهور حملها التي مرت كالحلم .. وكانت خلالها تزداد جمالاً كلما انتفخ بطنها .. واختل ميزان العدل لدى حامد الذي اصبح يقضي معظم وقته في بيت حبيبته متجاهلاً غضب السرة وثورة نعمات ... كان يقيس تقدم حملها بيديه ومشاعره التي تأججت حتى لم يعد يحتمل فيضانها ... احس كأن الدنيا قد ضحكت له أخيراً بعد طول عبوس ... طارت الايام وتبعتها الشهور وحمل امونة يتقدم بسلاسة ... عندما حان موعد ولادتها اصبح حامد كطفل صغير يترقب حلول العيد ... وٌلد الامين في ظهر يوم صيفي حار .. ونحرت لمقدمه ست عجول وعشرات الخرفان ووزعت بسخاء على المساجد وبيوت الفقراء ... كان حامد يعيش حالة من عدم التصديق لمقدم الولد الذي تمناه طيلة عمره من المراة التي يعشقها ...
    عندما اكمل الامين اسبوعه الاول .. توفيت امونة بعد ان باغتتها حمى نفاس غادرة ظلت تصارعها لمدة ثلاثة ايام قبل ان يستسلم جسدها النحيل لترحل مخلفة وراءها زوجاً على حافة الجنون ورضيع رفض تقبّل غياب امه فقرر اللحاق بها بعد عدة ايام .. بكى حامد كالنساء وتحول الى شبح حزين غاضب .. عافت نفسه الاكل والشرب والكلام ... قضى ايام العزاء شارداً في عالم آخر لم يستطع أي كان اختراق اسواره .. بعد انفضاض الجمع انزوى في احدى الغرف البعيدة معتزلاً الجميع ... خرج بعد شهر وقد تغير كل شئ فيه الى الابد ... بدأ وكأن عمره قد زاد عشرون سنة دفعة واحدة فقدت عيناه بريقهما المعتاد .. واكتست تعابيره بجمود مخيف .. لم يعد يحتمل البقاء مع الناس .. قام ببناء غرفة ملحقة بالديوان خارج المنزل ومنع الكل من دخولها ... اصبح عالمه محصوراً بينها وبين بيت حبيبته الراحلة الذي خصص له خادمة تقوم بتنظيفه يومياً .. اضاءة الانوار واطلاق البخور .. اصبح المكان مزاراً يهرب اليه كلما احرقه الشوق .. يجلس طويلاً مع امونة ..يقص عليها احداث يومه ويبثها لوعته على فراقها الذي احرق روحه وجعلها رماد .. ويبكي بوجع غدر القدر به للمرة الثانية..
    استيقظت نعمات ونظرت حولها بدهشة .. في البداية لم تستطع تحديد مكان وجودها .. ادارت راسها بتعب لتفاجأ بوجود حامد جالساً في كرسي بالقرب من سريرها .. كانت عيناه المغمضتان وراسه المستند على ظهر الكرسي تدلان على نومه .. على ضؤ الغرفة الشاحب رات نعمات اللمعة على خديه النحيلين .. اغمضت عينيها وفتحتهما مرة اخرى .. فوجدت ان دموع زوجها لم تكن وهماً ولا خيالاً .. اجتاحتها فرحة عارمة انستها سبب وجودها في هذا المكان .. يكفيها ان حامد بقى بقربها طيلة الليل .. وانه قلق لاجلها حد البكاء .. فهي لم تره يبكي الا لاجل امونة .. وبكاؤه من اجلها يعني لها الكثير .. نادته بصوت متحشرج ..
    - حامد ... حامد ..
    عندما لم يتجاوب مع صوتها الضعيف حاولت ان ترفع يدها لتهزه قليلاً .. لكن يدها رفضت ان تطاوعها .. احست بها ثقيلة كالحجر وملتصقة بالفراش .. انتأبها الفزع وحاولت مرة اخرى .. ومع كل فشل كان فزعها يزداد .. بدات تنتحب بصوت عال ايقظ حامد من حلمه التعيس عن وفاة امونة ركض خارجاً وطلب الطبيب الذي اتى مسرعاً ...
    - دي نتيجة متوقعة بعد الارتفاع المفاجئ في الضغط وبالصورة دي .. لكن ما تقلقوا دي مرحلة مؤقتة وانشاء الله كل شئ يرجع مع العلاج الطبيعي ..
    رفضت نعمات البقاء في المستشفى واصرت على العودة الى بيتها فامتثل حامد لرغبتها ورتب لحضور اختصاصي العلاج الطبيعي الى البيت يومياً .. في اسبوعها الاول كان التقدم بطيئاً لكنها استطاعت تحريك يديها بعناء .. ساد البيت جو من الحزن الممزوج بالخوف .. واصبحت نادية كالشبح الهائم وهي تحوم خارج غرفة امها التي رفضت رؤيتها ومنعتها من الدخول اليها .. كان الاحساس بالذنب يفتك بها ..ففرضت على نفسها سجناً اختياريا وامتنعت عن الخروج من المنزل بتاتاً اتصلت بزاهر واخبرته في مكالمة هاتفية قصيرة عن الاحداث التي تلت معرفة امها بزواجهما وقرارها بالامتناع عن الحضور الى الجامعة حتى شفاء والدتها ... لم تفلح كل محاولاته لثنيها عن نيتها فطالبها بان تتصل به كلما واتتها الفرصة ... لكن وجود والدها المستمر بالبيت اضافة الى سيل الضيوف الذي لم ينقطع جعل معاودة الاتصال مستحيلة خصوصا بعد ان امرت نعمات بوضع الهاتف في غرفتها ... كان مرض امها ورفضها رؤيتها يذبحها ويشعرها بفداحة ما ارتكبته ... اعتادت على تحين فرص نومها لتتسلل على اطراف اصابعها وتتاملها بحزن ... تنسحب بسرعة عندما يهدد بكائها المكتوم بفضح وجودها .. فتهرب الى غرفتها لتجلس وحيدة وهي تعاني خوفها من مستقبلها المظلم ..
    في الاسبوع الثالث بدات حركة نعمات تزيد .. وبشرها الاختصاصي بان استجابتها للعلاج جيدة وقد تنقضي فترة قصيرة حتى تعود الى طبيعتها ... كانت تحس بالملل من البقاء وحيدة في وضع ثابت لا يتغير .. فرفعت صوتها منادية ...
    - اميرة ... يا اميرة ..
    ظهرت هادية في فتحة الباب وسالت امها بحنان اصبح سمتها منذ مرض امها ...
    - عاوزة حاجة يا امي ؟؟ اميرة دي مشت تشوف حبوبة العينة قالوا عيانة شديد ومودينها المستشفى ..
    ابتسمت لها بفرح وهي تفكر بان مرضها ثمن بخس تدفعه لاستعادة حب ابنتها المتمردة ..
    - تعالي يا هادية اسنديني .. عاوزة اقعد شوية ضهري وجعني من الرقدة الكتيرة .. نادية وين ؟؟ ..
    - نادية ساكنة جوة الحمام من صباح الرحمن !! ..
    رفعت نعمات راسها بحدة للجملة التي نطقتها هادية بلامبالاتها المعتادة
    - ساكنة جوة الحمام ؟؟!! .... بتعمل شنو ؟؟ بتستحمى يعني ولا شنو ؟؟!! ...
    - والله ما عارفاها يا امي .. لكن زي سمعت صوتها بتستفرغ .. ولمن سالتها قالت مافي حاجة ...
    احست نعمات بتنميل في راسها وبرودة في اطرافها وموجة دوار تهاجمها ..
    - اديني حبة الضغط سريع يا هادية .. اهي العلبة الفي راس الكمودينو دي وامشي نادي لي نادية ..
    وضعت الحبة تحت لسانها ... اغمضت عينيها واسندت راسها على الوسادة وهي تدعو في سرها ان يكون ما خطر ببالها مجرد وهم صوره لها عقلها القلق .. لكن هيئة نادية التي دخلت الغرفة بخطوات مترددة اكدت ظنونها ... كانت تبدو مخيفة بوجهها الشاحب ودوائر سوداء عميقة تحيط بعينيها .. فقد شعرها الطويل حيويته ولمعانه وتدلى باهمال وراء ظهرها .. برزت عظام كتفيها اعلى جسدها الهزيل .. تاملتها نعمات بدقة من راسها وحتى اخمص قدميها .. لمعت في عينيها نظرة ادراك خبيرة رفعت صوتها المحبط وامرت ابنتها الصغرى ..
    - هادية .. اطلعي واقفلي الباب وراك .. اقعدي في الصالة وما تخلي أي زول يدخل علينا الا اميرة .. فهمتي ؟؟ ..
    - طيب ولو ابوي جا يشوفك اقول ليهو شنو ؟؟!! ..
    - قولي ليهو راسي وجعني شديد وبلعت حبوب وما عاوزة زول يزعجني ..
    رمقتهم هادية بنظرة مليئة بالتساؤل ثم استدارت خارجة واغلقت الباب خلفها بهدؤ ..
    بدات نادية ترتجف بعنف وسالت دموعها غزيرة امام النظرات الغاضبة المتهمة ..
    - تعالي اقعدي في الكرسي الجنبي دة ..
    اطاعتها بخوف وبدات تتكلم بصوت مهتز تقطعه تشنجات البكاء ...
    - امي عليك الله ما تنفعلي .. كل الانتي عاوزاهو بسويهو ليك .. انا حتى الجامعة ما مشيت من يوم ما انتي رقدتي ولو عاوزاني اخليها خالص بخليها .. حاعمل أي شئ بس انتي ترضي علي .. انا ما بتحمل غضبك ...
    قاطعتها نعمات بسؤال مباشر ...
    - انتي حامل مش كدة ؟؟..
    بهتت نادية ونظرت الى وجه امها الجامد بعينين متسعتين .. ثم عجزت عن مواجهتها فاطرقت بحرج وهي تتمنى لو تنشق الارض وتبتلعها ...
    - اتكلمي يا بت .. آخر مرة دورتك جات متين ؟؟ وهسة متاخرة كم عن مواعيدها ؟؟ ..
    - مر شهر وشوية من آخر مرة جاتني ...
    انقطع الحوار المؤلم بفعل طرقات ناعمة على الباب فتح على اثرها وظهر راس اميرة التي وقفت تتامل المنظر بحيرة .. فوالدتها رفضت كل محاولات نادية للاعتذار ومنعتها من دخول غرفتها .. جلستهما الآن سوياً لا تبشر بخير ..
    - ادخلي يا اميرة واقفلي الباب .. تعالي جيبي التلفون واتصلي لي بامي ...
    كانت يد نعمات بالكاد تقوى على رفع سماعة الهاتف .. خرج صوتها خشنا ومبحوحاً وهي تخاطب والدتها ...
    - امي .. عاوزة اجي اقعد عندكم كم يوم .. لا ما براي .. انا ونادية لكن ما عاوزة أي زول يعرف اننا عندكم ..
    كان الصوت من الطرف الآخر ينبعث عالياً ومنزعجاً ليبدد صمت الحجرة اثناء سكون نعمات ...
    - لا يا امي ما اتشاكلت مع حامد ولا السرة ولا مع أي زول تاني .. بكلمك بالموضوع لمن اجي .. وزي ما اتفقنا .. مافي جنس مخلوق يعرف اننا عندكم ..
    عندما انهت المكالمة كانت في عينيها نظرة غريبة .. ومصممة ..
    - وينها ورقة الزواج العرفي بتاعك ؟؟ ولا كمان مافي ورقة وعرستي شفهياً ؟؟ ..
    قفزت نادية من جلستها بلهفة ..
    - في ورقة يا امي .. انا وريتها لاميرة وكمان كان في شهود حاضرين لمن عملناها ومضوا فيها .. دقيقة اجيبها ليك تشوفيها ...
    - خليك قاعدة قبلك ... امشي يا اميرة جيبيها ...
    كانت اميرة تراقب تصرفات والدتها باستغراب حقيقي ... فهي لم تكن تتوقع منها هذا البرود في التعامل مع مشكلة نادية العويصة ... عندما احضرت الورقة الصغيرة المطوية بعناية .. فتحتها نعمات وظلت ممسكة بها امام عينيها فترة طويلة حتى خيل للفتاتين انها قد نسيت وجودهما .. اخيرا اطلقت تنهيدة عميقة .. رفعت راسها نظرت اليهما وانهمر سيل الاوامر ..
    - نادية .. قومي جهزي شنطة صغيرة ختي فيها هدوم تكفيك اسبوع او عشرة يوم بالكتير حتمشي تقعدي معاي عند ناس امي لغاية ما نشوف حل للورطة الدخلتينا فيها دي .. وانتي يا اميرة جهزي شنطتي وما تنسي الادوية وبعد ما تخلصي نادي لي ابوكي ... والكلام الدار جوة الاوضة دي يندفن قبلو ... مافي واحدة فيكم تجيب سيرتو ..
    لم تتحرك أي منهما وظلتا تنظران اليها بحيرة ..
    - اتحركي يا بت انتي وهي سريع .. مالكم ؟؟ عاوزني اترجم ليكم الكلام دة بلغة تانية عشان تفهموه ؟؟ ...
    في لحظات تحولت الغرفة من حالة الجمود التي سيطرت عليها الى حركة دائبة .
    - عاوزة تمشي تقعدي عند اهلك ليه يا نعمات ؟؟ الناقصك هنا شنو ؟؟ لو محتاجة أي حاجة كلميني وانا اوفرها ليك ..كيف يعني تمشي بيت اهلك وانتي بالحالة دي ؟؟ والعلاج بتاعك حتوقفيهو ولا كيف ؟؟ وسايقة معاك نادية لشنو .. البت دي ليها قريب شهر ما مشت جامعتها .. مش مفروض بعد دة تمشي تشوف الفاتها شنو ؟؟
    كانت اسئلة حامد تندفع من فمه بانزعاج بعد ان عاوده مرة اخرى احساس الذنب والتقصير تجاه زوجته التي ما ان اظهرت عليها بوادر التحسن حتى عاد هو الى معتزله واكتفى بزيارتها يوميا لفترات قصيرة خصوصا بعد ان احس بعدم رغبتها في الحديث معه وتظاهرها احيانا بالنوم كي تتخلص من وجوده ..
    - ما ناقصني شئ يا حامد .. لكن انا زهجانة من الحبسة هنا براي ومحتاجة اغير جو .. قلت امشي ناس امي كم يوم .. ما بقطع العلاج .. انت اتفق معاهو يجيني عند ناس امي في نفس المواعيد .. ونادية سايقاها عشان تخدمني .. انت عارف امي في البيت براها وبقت مرة كبيرة وما بتقدر على الخدمة .. وكان على الجامعة ما مشكلة .. هي غابت دة كلو .. يعني ما جات ليها على اسبوع تقعدو معاي .. وبعدين اميرة بقت في عصمة راجل .. يعني ما بقدر اسوقها كدة ساكت .. وانا بكون مطمنة لمن اخليها وراي عشان تراعي هادية والبيت ...
    احس حامد بجو غريب يحيط بزوجته لكنه لم يستطع تحديده .. ربما لانها تتفادي النظر اليه مباشرة لقد اعتاد ان يقراها من عينيها الصافيتين اللتين تعكسان كل ما يدور داخلها بشفافية .. تعمدها تجنب نظراته اشعره بانها تخفي شيئا ما لكنه لم يشأ الضغط عليها لمعرفته مراعاة لحالتها الصحية ..
    - خلاص يا نعمات .. اذا مشيك هناك حيريحك انا ما عندي مانع ... وفي أي لحظة تحتاجي أي شئ او عاوزة ترجعي اتصلي بي ..
    حال وصولهم الى بيت جديها .. انعزلت نادية في الغرفة التي خصصت لها مع والدتها .. جلست منكمشة تستمع الى الاصوات المنفعلة الغاضبة تاتيها من الغرفة الاخرى التي اجتمعت فيها امها مع خالها وجدتها حال وصولهم .. وقد ادركت بانها هي موضوع الحديث .. احست بالخوف والوحدة .. فبرغم رد فعل امها الهادئ الى حد ما .. الا ان كل الدلائل تشير الى نوايا اخرى مبيتة .. مرت عليها اللحظات كالدهر وهي متكورة في طرف السرير تتحسس بطنها الذي يحمل ثمرة اللقاء الاخير بينها وبين زوجها .. انتابتها مشاعر متناقضة ما بين الحب لهذا الكائن الصغير الذي اتى على غفلة والخوف من وجوده .. لقد تاكدت من حملها بعد ان غابت دورتها عن مواعيدها المعتادة واصبح الاستيقاظ صباحاً اكثر صعوبة .. عافت نفسها الاكل وحتى اللقيمات الصغيرة التي تزدرها على مضض لا تستقر في معدتها الا لدقائق قليلة تركض بعدها الى الحمام لتلفظها .. كما بات انفها حساسا تجاه الروائح لدرجة مزعجة .. فلم تعد تتحمل حتى عطورها التي كانت تفضلها .. وبرغم ذعرها مما يحدث لها .. الا انها احست بفخر خفي كونها تحمل طفل الرجل الذي تعشقه بجنون ...
    قفزت من جلستها عندما فتح باب الغرفة فجاة .. ولم تنتبه لدموعها التي اغرقت وجهها حتى سمعت صوت جدتها المؤنب ...
    - بتبكي ؟؟!! .. بتبكي على شنو يا نادية ؟؟ على الفضيحة العاوزة تفضحينا ليها .. دي عملة تعمليها يا بت ؟؟!! ...
    قاطعتها نعمات التي دخلت مستندة علي ذراع شقيقها بلهجة محذرة ..
    - امي .. احنا مش اتفقنا خلاص ؟؟ مافي داعي للكلام دة .. الحصل حصل .. خلونا في المفيد .. خشوا واقفلوا الباب دة مافي زول يجي يسمعنا ..
    - ما تخافي .. انا قفلت باب الشارع بالترباس وحذرت الشغالة ما تفتحوا لاي زول ..
    التفتت نعمات الى ابنتها الوجلة وخاطبتها ببرود ...
    - نادية .. احنا مبدئياً ما عندنا مانع انك تتزوجي الزول دة بصورة رسمية .. لكن في الوقت الحالي قررنا انك لازم تنزلي الفي بطنك ..
    خرجت من نادية آهة مكتومة وتراجعت خلفاً وهي تضع يديها على بطنها بصورة حمائية ...
    - اسمعيني كويس يا بت احنا عاوزين نلم الفضيحة ونستر روحنا ..
    - حرام يا امي .. حرام عليكم .. انتو مش خلاص قلتو موافقين على زاهر ؟؟ يعني ما حتكون في فضيحة ... لو عملنا العرس هسة وانا لسة في بداية الحمل مافي زول حيعرف حاجة ..
    تخلت نعمات عن برودها وانفجر غضبها لدى سماعها اسم زاهر ..
    - تحرم عيشتك يا فاجر يا قاهر .. هو انتي بتعرفي الحرام ؟؟ لو كنتي بتعرفي جد كنتي عرفتي انو الفي بطنك دة جنى حرام .. ايوة يا فاهمة يا متعلمة يا بتاعت الجامعة .. ما علموك انو ما بٌني على باطل فهو باطل ؟؟ الشيخ السالتيهو ... دة لو صحي سالتي شيخ ما وراك انو البت البكر ما بيصح زواجها الا بوجود ولي امرها وعلمه وموافقته ؟؟ انتي ابوك عايش على وش الدنيا ومشيتي عرستي زي بنات الشوارع ... يبقى عرسك باطل .. وعلاقتك بالعواليق بتاعك دة زنا في زنا .. والفي بطنك دة جنى حرام .. فهمتي ولا افهمك زيادة ؟؟ ..
    ارتج جسد نادية النحيل بعاصفة من النحيب الهستيري .. وانكمشت في زاوية الغرفة كأنها تحاول ان تنحت جسدها داخل الجدار لتحمي طفلها .. تبادل خالها نظرة متواطئة مع شقيقته ثم تقدم نحوها ببطء .. احتبس صوتها واتسعت عيناها ...انحنت لتغطي بطنها بيديها وهي تنتظر الضربات الموجعة التي ستسقط طفلها... لكن لدهشتها الشديدة وضع يده على كتفيها وامسكها برفق وهو يوجه خطواتها نحو السرير .. اجلسها بقربه وخاطبها بصوت هادئ ..
    - اسمعي يا نادية .. انتي دخلتينا كلنا في مشكلة كبيرة ولازم نلقى ليها حل .. ابوك لو عرف ابسط حاجة حيعملا انو يطلع مسدسو ويفرغو فيك وفي الزول دة ويدخل السجن .. وممكن اميرة اختك تتطلق بسبب الموضوع دة لانو اهل ابوك ديل ناس صعبين وما بيغفروا الحاجات الزي دي .. عشان كدة احنا حنقعد مع بعض ونتشاور ونشوف نعمل شنو اول حاجة لازم نفكر كيف نقنع ابوك انو يوافق على الزول دة .. وانتي عارفة دي مهمة صعبة شديد وممكن تاخد زمن طويل .. انا مستعد اقيف معاك واساعدك .. لكن على شرط انك تنزلي الطفل لاننا ما عارفين متين حنقنع ابوك والمسالة ممكن تاخد شهور على بال ما نمهد ونتكلم براحة براحة وبالتاكيد في الفترة دي حملك حيظهر ... يا نادية احنا طول عمرنا ناس مستورين .. وما حنقدر نوضح لكل الناس انك حملتي من زواج شرعي لانو الناس عليها بالظاهر .. وانتي قدامك العالم كلو لسة بت ما متزوجة ... يعني الرشاش حيطالنا كلنا وتاني مافي زول فينا حيقدر يرفع راسو في أي حتة ... انتي لسة صغيرة وقدامك العمر كلو عشان تجيبي العيال العاوزاهم .. ويا ستي بكرة لمن تتزوجي زاهر بصورة رسمية اولدي جيش ومافي زول حيكون عندو عندك حاجة .. لكن حاليا الطفل دة لازم ينزل .. اها قلتي شنو ؟؟ موافقة على كلامي دة ؟؟ ...
    احست نادية بالاطمئنان للهجة خالها الهادئة وكلماته الموزونة المقنعة .. دارت نظراتها وهي ترى اللهفة في العيون التي تنتظر ردها .. فاومات ايجاباً .. وخرجت تنهيدة راحة من جميع الافواه ..
    - خلاص دة انتهينا منو .. الشئ التاني زاهر لازم يجي يقابلني ويجيب معاهو الورقة البتثبت زواجكم عشان نتناقش ونشوف حنقدر نعمل شنو وكيف نقنع ابوك ... يعني بعد ما نخلص من موضوع العملية وتشدي حيلك .. تتصلي بيهو وتخليهو يجينا هنا .. الكلام دة كويس معاك ؟؟
    انفرجت اسارير نادية واحست براحة تغمره جسدها المتوتر فارتمت في احضان خالها الذي احتضنها بيدين متخشبتين وما لبث ان هب واقفا وهو يخاطب امه ...
    - امي .. انتي شوفي موضوع الداية وخليها تجي بكرة ولا بعدو بالكتير .. واكدي عليها انو الموضوع دة لو طلع برة انا بدفنها حية ..
    - ما تخاف .. الداية دي زي اختي .. انا بثق فيها وانتو كلكم اتولدتوا على ايديها .. بطنها غريقة .. وياما حفظت اسرار اسر وحافظت على بيوت من الخراب ... انا بمشي ليها بنفسي وبخليها تجي بكرة بعد المغرب .. وزي المواعيد دي حيكون كل شئ انتهى ...
    احتاجت نادية اسبوع كامل حتى تتعافى من آثار العملية المزدوجة .. كان اكثر ما يؤلمها الجلسات الطويلة في الماء الحار المملح حتى تلتئم جروح عملية الختان التي اجريت لها عنوة وبدون استشارتها .. لقد انتبهت للهمس الدائر بين امها وجدتها والقابلة العجوز .. لكنها لم تعرف فحواه الا عندما استلقت شبه عارية وهي تنظر بدهشة للادوات الت تخرجها القابلة من حقيبتها .. شفرات .. خيوط .. ابر معقوفة .. ومقص .. دفعها خوفها لمحاولة الجلوس .. لكن وجدت نفسها مثبتة بيدي امها وجدتها التي همست في اذنها ..
    - اركزي يا بت .. لازم نطهرك عشان القص والخياطة يدسوا اثر العملية ..
    تمتمت بذهول ..
    - تطهروني ليه ؟؟ .. وندس اثار العملية من منو .. زاهر عارف.. تاني شنو ؟؟
    رمقتها نعمات بنظرة غاضبة تشع حقداً وهي تضغط بيدها الضعيفة على كتفها ..
    - انتي يا بت عاوزة تجلطيني تاني ؟؟ ولا المرة دي عاوزة تقتليني عديل ؟؟ اقفلي خشمك دة واسكتي ساكت .. احنا عارفين مصلحتك اكتر منك ...
    الجم الاحساس بالذنب وخوفها من غضب امها لسانها وحركتها وهي تحس بطعنات الابرة تغوص عميقا في لحمها ... تفصد العرق غزيراً من جسدها حتى احست بانها تغرق فيه .. وانقذها فقدانها للوعي من أي احساس آخر ...
    عندما اصبحت قادرة على الوقوف والمشي بدون مساعدة .. حضر اليها خالها مرة اخرى بنظراته المتواطئة ويديه المتخشبتين ..
    - اتصلي بالزول دة وخلي يجي يقابلني بكرة بعد صلاة العشا .. واهم شئ يجيب الورقة البتثبت زواجكم معاهو ...
    احست نادية بفرحة طاغية تجتاحها وتملا الفراغ الذي سكن اعماقها منذ ان وافقت على قتل جنينها سارعت الى الهاتف تحت مراقبة ثلاثة ازواج من العيون الجامدة .. كانت اصابعها ترتجف وهي تطلب الرقم الذي تحفظه عن ظهر قلب ..
    - الو .. ممكن اكلم زاهر ؟؟ قول ليهو نادية ...
    اتاها صوته مليئا باللهفة والقلق ..
    - نادية ؟؟!! .. انتي وين ؟؟ انا كنت خلاص قربت اجن .. ليه عملتي فيني كدة ؟؟ مش احنا متفقين انو مهما ساءت الظروف برضو توريني الحاصل شنو ؟؟ يا نادية ...
    قاطعت سيل كلماته بصوت ناعم ..
    - زاهر .. معليش انا لي كم يوم جيت مع امي عند حبوبتي وما لقيت طريقة اتصل بيك امي وخالي وافقوا على زواجنا .. تعال بكرة بعد صلاة العشا عشان تقابل خالي ..
    قفز قلبها عندما سمعت شهقته تاتيها حارة وتذكرها بشهقات اخرى حفرها في اذنها واذابها بها .. عندما طال صمته نطقت اسمه بهيام ...
    - زاهر .. سمعتني ؟؟ قلت ليك ...
    قاطعها صوته الباكي ..
    - سمعتك يا نادية .. سمعتك .. بس ما قادر اصدق البسمعو منك ..
    - صدق يا زاهر .. اخيرا ربنا استجاب لدعواتنا وحنبقى مع بعض لغاية آخر يوم في عمرنا بكرة جيب معاك ورقتك ..خالي عاوز يشوفها عشان يتاكد اننا فعلا اتزوجنا .. ما تتاخر .. تعال بعد الصلاة طوالي ...
    ليلتها لم يغمض لها جفن .. استغرقتها احلام اليقظة التي غذاها شوقها الجارف الى زوجها بنار احرقت جلدها .. كانت تحس بانها تسبح في غمامة ناعمة وصورة مستقبلها مع زاهر تتراقص امام عينيها ... تمدد الزمن وتمطت ساعات النهار بكسل يتحدى لهفتها ... قضت الوقت وهي تحاول تحسين منظرها المزري .. وعندما نظرت الى المرآة لترى نتيجة جهودها .. صدمتها صورة عظامها الناتئة وملامح وجهها الشاحب الهزيل .. انتابها القلق من ان يراها حبيبها بهذا الشكل .. وذابت مخاوفها عندما التقت عيناهما لحظة دخولها الغرفة ورات الحب والشوق يشعان منهما بوضوح ....بدا انيقاً وسيماً برغم فقدانه الكثير من وزنه .. كان يتقدم نحوها ماداً يده عندما اوقفه صوت خالها الصارم
    - اقعد يا زاهر وخلينا نتفاهم ..وينها ورقتك كدة خليني اشوفها ...
    جلس زاهر بارتباك بينما ظلت عيناه معلقتان بنادية التي خافت من خذلان ساقيها فجلست في اول كرسي صادفها وهي تراقب كل حركة من حركات زاهر الذي اخرج من جيب قميصه مظروف ابيض مطوي بعناية .. فتحه بحرص واخرج منه ورقة صغيرة شبيهة بورقتها التي يمسكها خالها بين يديه فتحها ببطء وناولها لليد الممدودة ... كان جميع من في الغرفة يتابعون حركة الرجل الطويل الممتلئ الذي نهض من جلسته المتململة ممسكاً كل ورقة بيد واتجه بخطوات واسعة الى نهاية الصالون الفسيح وقف بالقرب من النافذة التي تحتل مساحة كبيرة من الجدار .. اخرج علبة سجائره وضع اللفافة بين شفتيه واخرج قداحته .. وبهدؤ اشعل النار في الاوراق التي استقرت في يده اليمين ورمى بها داخل مزهرية فارغة بالقرب منه .. صرخت نادية وقفز زاهر على قدميه بينما ارتسمت ابتسامة راحة على شفتي نعمات وامها .. عندما وصل زاهر الى حيث يقف الخال كانت الاوراق قد اصبحت بقايا متفحمة قبض عليها فتفتت في يده وتحولت الى قطع صغيرة تطايرت في كل الاتجاهات وقف زاهر مذهولاً بفم مفتوح وعينان امتلاتا بالدموع .. وخرجت كلماته مختنقة ..
    - ليه كدة يا خال ؟؟ ليه حرقت الاوراق ؟؟!! ...
    اتاه الرد من الجدة الحانقة ...
    - خال ؟؟ خلال الشوك اليشق حلقك .. خالك بوين ؟؟ والله انت لو ما الزمن صحي بقى كعب ما كان واحد زيك قدر يغش على بتنا الماصلة المفصلة ويعرسها ..
    تجمد زاهر في مكانه وبدا عرق غاضب ينتفض في اعلى جبينه .. حاولت نادية التحرك من جلستها لكنها احست بكل عصب في جسدها قد تحول الى هلام لا تملك السيطرة عليه .. خرجت كلمة الاحتجاج الوحيدة من شفتيها بالم ..
    - حبوبة ..
    التفتت اليها نعمات بغضب متفجر وقد اختفى كل برودها الذي تعاملت به منذ بداية الموضوع ..
    - الحب اليخنقك يا فاجر يا ام عينا بيضا .. انتي صدقتي اننا كنا حنخليك تعرسي الجربوع دة ؟؟ والله لو اقطعك وارميك لكلاب الشارع ما اخليك تفضيحنا وتكسري ضهرنا وتبقينا لبانة في لسان اليسوى وما يسوى .. عاوزة تشمتي فيني السرة وتخليها تقول اني فعلا ما عرفت اربي ؟؟ عاوزة تجبري ابوك حامد ود العمدة يخت يده في يد الغرابي ؟؟ !! ...
    كانت الكلمات تنزل على زاهر كسياط من نار تخترق جلده ويصل المها حتى عظامه .. حاول ان يتماسك من اجل حبيبته التي كانت تنتحب بهستريا .. خرج صوته قوياً رغم الالم .. حاداً رغم الهوان ... ثائراً برغم الامتهان ...
    - اسمعوني كلكم ... انتو قايلين روحكم شنو ؟؟!! احسن ناس في الدنيا دي ؟؟ ربنا ما خلق غيركم ؟؟ مافي زول زيكم ؟؟ رافضني ليه ؟؟ بتهينوني بالصورة دي ليه ؟؟ عشان ما لونكم ؟؟ بتعاقبوني عشان شكلي ما بشبهكم ؟؟ عشان قبيلتي ما قبيلتكم ؟؟ بلاهي انتو مسلمين انتو ؟؟ انا الله خلقني كدة وخلقكم كدة ... لكن انا ما اقل منكم .. ولا انتو احسن مني .. وما تفتكروا عشان حرقتوا الورق معناها خلاص الموضوع انتهى .. نادية مرتي وبشهادة شهود ..
    قاطعه الخال الذي بدت ثورته في حركاته المتوترة ..
    - زواجك من نادية كان غلطة وحنصلحها حالاً .. ارمي يمين الطلاق واتفضل برة .. تاني وشك دة ما عاوزين نشوفوا .. وتاكد اني لو عرفت انك حاولت مجرد محاولة انك تتصل بيها حيكون آخر يوم في عمرك ..
    - اطلق ؟؟ انا اطلق نادية ؟؟ ما حيحصل ولا حتى في ابعد احلامكم .. نادية مرتي .. وحتفضل مرتي لمن اخش التراب .. ومستعد اعمل أي شئ عشان تبقى معاي .. انا حامشي البوليس وافتح فيكم بلاغ واطالب بيها عن طريق المحكمة ... والفضيحة الانتو خايفين منها دي حجيبها ليكم لغاية خشم بابكم .. وعندي الشهود ومستعد اصل لغاية الطبيب الشرعي وانشر قصتنا في الجرايد عشان اثبت انها مرتي ..
    نطق كلماته الاخيرة بتحدي جعل نعمات تمتقع .. بينما ادخل الخال يده في جيبه واخرجها بحركة مفاجئة وهي تحمل مسدس صغير لامع .. تراجع زاهر خلفاً وتعالت صرخات نادية الفزعة ...
    - انت بتهددنا يا كلب ؟؟ بتهدد اسيادك ؟؟!! .. حتطلقها .. حتطلقها ورجلك فوق رقبتك .. لو عاوز تطلع من البيت دة حي حتطلقها .. ارمي اليمين وغور في ستين داهية ...
    ثبت زاهر في وقفته كالطود وعقد ذراعيه حول صدره وهو ينظر الى نادية المنكمشة في كرسيها بالم وخرج صوته كالفحيح ..
    - انت قايل روحك بتخوفني بمسدسك دة ؟؟ انا ما بخاف .. اقتلني لكن ما بطلقها .. اضرب .. لكن طلاق ما بطلق ونادية حتفضل مرتي غصباً عنكم .. وحاعلن زواجي بيها في كل مكان .. حاخلي السودان كلو يعرف انها مرتي ... واعلى ما في خيلكم اركبوا ...
    قفزت نادية من كرسيها برعب وهي تسمع صوت قفل الامان في المسدس يحرر استعدادا لاطلاقه ..
    - لا يا زاهر ما تفضحني وتفضح اهلي .. طلقني .. انا عاوزة الطلاق ... لو سمحت طلقني وخليني اخلص ..
    التفت اليها الجميع بدهشة .. كانت نظرات حبيبها المفجوعة تذبحها .. لكنها لم تهتم .. سوف يكون هناك متسع من الوقت للالم فيما بعد .. ربما العمر كله .. لكنها الان سوف تنقذه مهما كان الثمن الذي يتوجب عليها دفعه ..لن تسمح لهم بقتله .. يكفي انهم قتلوا طفله وقتلوها معه .. احست بدوار قاس يحتكر احساسها ويكاد يفقدها وعيها .. لكنها تماسكت امام سؤال زاهر المذهول ..وقررت ان تلعب على وتره الحساس الذي تدرك بانه لن يسمح لاي كان .. ولا حتى هي بمسه .. وتر كرامته التي يعتز بها كثيراً ... سوف تحميه من اهلها بالطريقة الاكثر ايلاما لها .. وله ...
    - نادية ؟؟ انتي بتقولي طلقني وبتسمي اعلان زواجنا فضيحة ؟؟ مش دة الشئ الكنا عاوزينو انا وانتي من يوم ما عرفنا بعض ؟؟ حصل ليك شنو .. خوفوك ؟؟ ضغطوا عليك عشان تقولي الكلام دة مش كدة ؟؟ لكن انا قلت ليك من زمان ما بطلقك حتى لو انتي طلبتي .. لاني متاكد وواثق من حبك لي زي ما انا واثق من حبي ليك .. عارف انك بتقولي الكلام دة من ورا قلبك ..
    انحدرت دموعها حارة على خديها الشاحبين .. اغمضت عينيها بقوة حتى تستجمع شجاعتها ... خرجت كلماتها مهتزة .. لكنها واضحة ...
    - اسمع يا زاهر .. بصراحة انا القلت لاهلي عاوزة الطلاق واتفقت معاهم على كل حاجة
    لم تبال بالصوت المجروح الذي خرج منه عنوة .. ولا بنظرات الدهشة التي تبادلها الجميع وواصلت بتصميم ..
    - انا في البداية كان عاجبني الموضوع .. الطريقة الحبيتني بيها اشبعت غروري .. ما حانكر اني حبيتك ... بس ما لدرجة اني اضحي باهلي عشانك .. ولا بالعريس المتقدم لي لانو ما بتعوض ...
    كانت دموع زاهر تنزل كماء النار على جروح روحها المعذبة .. توترت انفاسها وهي تجبر الكلمات على الخروج من شفتيها الجافتين ...
    - تعرف انا اتاكدت اني فعلا ما عاوزة اواصل معاك متين ؟؟ لمن عرفت اني حامل ؟؟
    خيم صمت ثقيل على الغرفة .. كانت النظرات الموجهة الى نادية تحمل معاني متباينة ... اكثرها تعبيرا تلك التي ارتسمت على وجه زاهر فتقدم نحوها وهو يتمتم ..
    - نادية انتي حامل ؟؟ ليه ما كلمتيني ؟؟ دة السبب المخليك تطلبي الطلاق مش كدة ؟؟ مفتكرة اني ما اوفيت بوعدي ليك ؟؟ والله يا نادية ما اتعمدت اعمل كدة .. الشئ دة حصل غصبا عني لمن اميرة ...
    قاطعت تقدمه برفع يد مرتعشة في وجهه .. وكلمات لا تقل عنها ارتعاشاً ...
    - كنت حامل يا زاهر .. كنت .. انا عملت عملية ونزلت الجنين .. ما عاوزة حاجة تربطني بيك .. الحمل فوقني من الوهم الكنت عايشة فيهو .. وهم انو الحب ممكن يخليني اتغاضى عن الفروقات البيني وبينك .. انا ما بقدر اعيش حياتك يا زاهر .. وانت ما حتقدر تعيشني في المستوى الانا اتعودت عليهو .. عشان كدة لو سمحت طلقني .. اذا انت فعلا بتحبني زي ما بتقول وعاوز سعادتي ... يبقى طلقني .... طلقني يا زاهر ما عاوزاك .. طلقني ..
    وقفت جامدة وهي تدعو بحرارة في سرها ان تكون قد اجادت التمثيل واقنعت حبيبها برفضها له .. باستطاعتها ان تتحمل بعده وفراقه .. لكنها لا تستطيع ابدا ان تتحمل موته ... بسببها .. وبيد خالها..
    تعمق الصمت اكثر بعد كلماتها الباكية ولم يقطعه سوى انفاس زاهر العالية المضطربة .. ظل ينظر اليها لفترة طويلة وهو يامل بان تخبره بانها لا تعني ما تقول .. وانهم يجبرونها على قول هذه الكلمات السامة .. كان على استعداد للموت من اجلها .. لكنها تحاشت النظر اليه بالتحديق في كفيها المتقاطعتين بقوة ابيضت لها مفاصلها ... واقنعه صمتها المصمم بجدية طلبها ... رفع راسه بكبرياء تصلبت ملامحه وخرج الهواء حاراً من انفه ... نظر الى الجميع باحتقار وكراهية .. ثم نطق كلماته
    - نادية ... انتي طلقانة ... طلقانة .. طلقانة ...
    اعتصم بما تبقى له من قوة وانسحب خارجاً دون ان يلقي نظرة الى الوراء ... تراخت اليد التي تحمل المسدس ... ارتسمت ابتسامات راحة على وجه نعمات وامها ... وانهارت نادية ارضا ما ان تاكدت من نجاة حبيبها وهي تبكي بحرقة تتخللها صرخات حادة ..
    - انا بكرهك يا امي ... بكرهكم كلكم .. وما حسامحكم على العملتو فيني لمن اموت ...

  4. #19

    الحالة
    غير متصل
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    المشاركات
    38

    افتراضي

    الفصل التاسع عشر



    انطلقت صرخات حبيبة الملتاعة لتبدد سكون الجو وتملا ممرات المستشفى الهادئ بضجيج حزين ... لم يكن مرض امها الطويل كافياً لتهيئتها على تحمل الم فقدانها .. كانت بالنسبة اليها الام والاخ والاخت والصديقة .. الصدر الحنون الذي يستقبل كل احباطاتها وحزنها وغضبها .. كانت كل ما تبقى لها من عائلتها بعد وفاة ابيها واختفاء عبد الرزاق وتعمد عبد الستار الابتعاد عنها وعن عائلتها في السنوات الاخيرة .. هذا الابتعاد الذي اراحها كثيراً .. فمع كل زيارة كانت النظرات المتبادلة بين زوجها وشقيقها تشعرها بالغثيان .. نظرات غامضة تحمل مزيجاً غريباً من الحب والكراهية وتشحن الجو بشرارات من التوتر المرهق .. كانت تحرص على عدم انفرادهما ولو لدقائق .. فهي قد تتحمل ممارسات زوجها على مضض طالما تتم بعيداً عنها ومع غرباء ... لكن فكرة وجود زوجها مع شقيقها كانت اكبر من قدرتها على الاحتمال .. اصبح عدم ارتياحها وتحفزها واضحاً في كل زيارة .. وبات تواجدها الكثيف حولهما مقلقاً ... فتباعدت الزيارات حتى انقطعت عن بيتها تحديداً ... لكن من حين لآخر كانت تلتقيه عند حضوره لزيارة امهما .. ما ان يراها حتى يبدا بالتململ وسرعان ما ينتحل عذراً للمغادرة دون ان تلتقي عيناهما ...
    - حبيبة !! ... دة شنو البتسوي فيهو دة ؟؟!! ... البسي توبك واستري روحك ..
    كانت عبارات ابراهيم الزاجرة سبباً في انتباهها لحالتها المزرية ... فقد انفرط ثوبها عن جسدها واصبح يزحف خلفها على الارض كاشفا تضاريسها المغرية للعيون الفضولية ... لملمته حولتها وهي تنظر الى زوجها الذي بدا حزينا على رحيل امها بقدر حزنها هي ... في بداية زواجهما كانت تظنه يتظاهر بحب اسرتها ارضاء لها .. لكن مع مرور الايام تاكدت بانه يحمل مشاعر حقيقية لامها وابيها واخويها ... مشاعر ربما كانت تفوق تلك التي يحملها لها هي زوجته وام بناته .. كان يتعامل معها باحترام ويغدق عليها من المال بما يفوق طلبها واحتياجها .. لكنه ابدا لم يمنحها ما تحتاجه منه حقاً .. حبه ..
    - سوقي البنات وارجعي البيت .. انا حخلص الاجراءات واستلم الجثمان واحصلكم .. واول ما توصلي كلمي الجماعة واتصلي بعم حامد عشان يجهز للفراش ..
    عندما وصلت سيارة التاكسي التي تقل حبيبة وبناتها الى ناصية الشارع فوجئت بالجموع المتمركزة امام الحوش واصوات البكاء والعويل التي تصم الآذان ... اندهشت من السرعة التي وصل بها الخبر وهمست لنفسها بمرارة ...
    - يا حليلك يا العينة .. ما كنت متخيلة الناس حتجي لجنازتك قدر دة .. لكن هم اكيد ما جايين عشانك .. ولا عشاني .. اكيد كلهم جايين يجاملوا ود العمدة وابراهيم ...
    شقت السيارة الجموع بصعوبة وتوقفت امام الباب الكبير .. عندما ترجلت حبيبة وجدت نفسها في مواجهة بلقيس التي احتضنتها ما ان راتها وهي تبكي بحرارة وتخرج كلماتها متقطعة من بين شهقاتها العالية ..
    - احي يا حبيبة من نار امي ... ووووب عليّ من حرقة السرة المشت خلتني ..
    تملصت حبيبة من قبضة بلقيس وسالتها بحيرة ..
    - السرة ؟؟!! السرة ماتت يا بلقيس ؟؟!! .. السرة ماتت مع العينة في يوم واحد ؟؟!! ..
    توقفت بلقيس عن البكاء لبرهة وهي تنظر الى حبيبة بجزع ..
    - العينة ماتت ؟؟ اماتنا ماتن في يوم واحد يا حبيبة ؟؟ ..
    وبدات عاصفة هوجاء من البكاء غزتها توصيفات بلقيس وحبيبة واستمرت حتى خروج الجنازتين متجاورتين .. انهمك بعدها الجميع في التجهيز لايام طويلة من استقبال المعزين... اصرت بلقيس على جلوس حبيبة بجانبها .. ومع كل قادمة من اهلها كانت تكرر نفس الجملة ...
    - عزوا حبيبة مرت ابراهيم .. امها برضو ماتت الليلة ..
    كانت بعض الايدي تمتد بتردد وتوضع في راس حبيبة المحني بلمسة خاطفة لا تكاد تستقر حتى تبتعد مع انقضاء الصوت الرفيع الذي تصدره النساء مجاملة لطلب بلقيس ودون مراعاة لمشاعر حبيبة التي احست بالغضب من برود وتعالي اهل زوجها .. في نهاية اليوم قررت ان تقاطع مجلس العزاء في البيت الكبير حتى تجنب نفسها هوان المجاملة الرافضة وتمارس حزنها بالطريقة التي تستحقها العينة
    كانت تشق ممرات البيت الكبير في طريقها الى منزلها عندما استرعى انتباهها صدى اصوات تعرفها جيداً .. ابطأت سيرها ولم تبذل جهداً لاستراق السمع .. فقد كانت الاصوات عالية بما يكفي لتصل اليها واضحة ..
    - عليكم الله بلقيس ما بالغت ؟؟!! .. مقعدة الخادم جنبها في المرتبة وعاوزانا كمان نخت يدنا فيها ونعزيها ؟؟!! غايتو احرجتنا جنس احراج ...
    - ولا احراج ولا حاجة .. انا ابيت اخت يدي في راسها ولا اباكيها .. ياهو الفضل كمان اعزي الخادم !! .. دة الا يكون آخر يوم في عمري ... والله مش كان عرست ابراهيم ود العمدة لو عرست العمدة زاتو حتفضل خادمنا .. ومن متين احنا بنعزي الخدم كمان ؟؟!! تعرفوا ... السرة الله يرحمها لو عرفت العينة دي بتموت معاها في نفس اليوم كان اجلت موتها شوية .. وكان عرفت انو ود العمدة بيدفنها جنبها ..كان خلت الموت زاتو .. يا حليلها المسكينة تلقاها هسة بتتقلب في رقدتها وما قادرة ترتاح ..
    احست حبيبة بالدم يغلي في عروقها .. فتقدمت وسدت الباب المفتوح بجسدها المتوتر ونظرت الى النساء الغافلات بغضب وتحد ..
    - تعرفوا انكم نسوان قليلات ادب وما مربيات وما لاقيات زول يلمكم .. عاملات فيها ربيبات الحسب والنسب وبنات الاصول .. وانتو ما عندكم شئ غير الحقد والكراهية .. وما بتعرفوا غير النميمة واكل لحم خلق الله ... انا لولا احترامي لنفسي وللظروف الحاصلة .. كنت وريتكم شغل الخدم على اصولوا .. و البتسووا فيهو انتو دة انا البتقولوا علي خادم ما بسوي زيو...
    بهت جميع من في الغرفة لظهورها المفاجئ وكلماتها الحادة .. ولم تجرؤ أي من الموجودات على التفوه بكلمة .. نظرت اليهن باحتقار وقبل ان تختفي التفتت وخاطبتهن بمرارة ..
    - يالحراير يا بنات الاصول .. لو ياها دي اخلاقكم انا مبسوطة اني طلعت خادم .. على الاقل الخادم عرفت تراعي حرمة الموت وما اتجاوزت حدها حتى مع ربها الخلقها .. اخي تفو عليكم ناس موهومين وتافهين وقلوبكم زي السكن ...
    بصقت على الارض ثم غادرت دون ان تنتظر رداً .. ولم تعاود الظهور في البيت الكبير طيلة ايام العزاء التي امتدت لشهر كامل .. وبرغم ضغوط ابراهيم عليها لم تمتثل لطلبه وانهت النقاش بحسم..
    - اسمع يا ابراهيم .. انا اهلك ديل خلاص اكتفيت منهم ومن حقارتهم لي ولاهلي .. استحملتهم سنين وسنين لكن خلاص فاض بي .. ومافي شئ تاني بيجبرني استحمل سخافتهم وعنصريتهم .. سبحان الله ديل حتى في الموت عاوزين يعملوا خيار وفقوس اها الله وراهم .. الموت ما فيهو تمييز ... والعينة الخادم ماتت مع السرة بت الاصول في نفس اليوم واتدفنت في قبر جنبها .. يكون في علمك انا البيت الكبير تاني ما ماشة والعاوزني يجيني هنا ...
    لم يؤازرها في حزنها غير نعمات التي تجنبت البيت الكبير بعد فشلها في تحمل نظرات وغمزات الشماتة التي راتها سافرة في اعين اقارب السرة وهم يراقبون حركتها البطيئة التي استعادتها بعد مجهود جبار في العلاج الطبيعي .. ومن وقت لآخر تحضر رجاء التي اصبحت صورة باهتة وحزينة للمراة المرحة المحبة للحياة التي كانتها يوماً .. لقد اصابها هجران ابنتها للمنزل في مقتل ...
    - يا رجاء ما تعملي في نفسك كدة .. حتموتي لو استمريتي بالطريقة دي .. انتي ما قاعدة تعايني في المراية ؟؟ ما شايفة روحك بقيتي كيف ؟؟!! وبعدين هي البت مشت وين ؟؟ مش عند اعمامها ؟؟ يعني اكيد ما بتجيها عوجة ..
    كانت الكلمات تخرج من نعمات حارة ... مواسية ... متفهمة .. لم تعد الامور الى طبيعتها ابدا في اسرتها الصغيرة بعد مشكلة نادية التي جاهرتها بالعداء والكراهية باسلوب مخيف فأصبحت هماً يؤرقها ويقض مضجعها ... حتى استعادتها لصحتها لم تفرحها .. وبدا الخوف والقلق يتسللان الى قلبها عندما رفضت ابنتها باصرار وعناد كل من تقدم طالباً يدها .. وتوقفت محاولاتها للضغط عليها عندما انهت احد النقاشات العديدة معها بوقاحة وتحد ..
    - شوفي يا امي .. ما تكتري كلامك معاي .. عرس ما حعرس .. حاقعد ليك كدة عشان كل ما تشوفيني تتذكري انتي عملتي شنو فيني ...
    - هو انا عملت شنو فيك يا بت يا قليلة الادب ؟؟!! .. انا عملت فيك خير لمن خلصتك من العواليق الكان غاشيك وماكل عقلك ... عملت شنو غير سترتك من الفضيحة والجرسة وسط الناس وحافظت على سمعتك .. والله ومليت خشمي بالله لو ما وافقتي على العريس دة الا اخلي ابوك يغصبك ويعرس ليك ورجلك فوق رقبتك ...
    - بالله ؟؟!! عليك الله يا امي انتي صدقتي كذبتك الانتي صنعتيها عشان تبرري بيها جريمتك في حقي وحق راجلي وطفلي ؟؟!! اوعي تصدقي انك عملتي دة كلو عشاني .. لانو انا وانتي عارفين انو كل العملتي كان عشانك انتي .. عشان امي السرة ما تشمت فيك وتقول بتك عرست العبد .. وعشان ما تطلعي قدام ابوي ما عرفتي تربي .. وعشان تحافظي على صورة اهلك قدام الناس ..اتآمرتي علي انتي واهلك .. ودمرتيني بقلب بارد كاني ما بتك .. لكن انا بحذرك يا امي ... لو اصريتي على موضوع العرس دة ولا كلمتي ابوي .. قسماً بالله الا افضحك الفضيحة الجد ..واول حاجة امسك العريس واهلو واحكي ليهم قصتي من طق طق للسلام عليكم ... وبعدها امشي احكي لامي السرة وبلقيس عن العملتوا فيني .. حيحصل شنو يعني ؟؟ حيقتلني ابوي مثلاً ؟؟ يا ريت .. دة حتى الموت اهون علي من الحياة الانا عايشاها هسة دي ..
    كانت لهجة نادية وملامحها كافية لاقناعها بجدية تهديداتها .. فاعتذرت لاهل العريس وهي تتخوف من سنوات قادمات سوف تضطر فيها لمواجهة مشاعر الحقد والغضب التي احتلت ابنتها وحولتها الى مخلوقة اخري لا تعرف الرحمة ... ولا الغفران ..
    - تعرفي يا رجاء تربية البنات صعبة شديد .. زي اكل الجمر .. لكن انتي ما قصرتي في أي حاجة .. يعني ما تلومي نفسك لانو بتك خلت البيت ومشت لاعمامها .. خليها شوية بكرة تروق وتهدا .. حتعرف غلطتها وترجع ليك براها ..
    - متين يا نعمات ؟؟ متين ترجع .. وحياة المسيح انا حاسة كانو حتة من قلبي قطعوها وشالوها ... ما قادرة اتحمل فراقها يا نعمات .. يشهد ربنا انا ما بانوم الليل لمن اتذكر انها ما نايمة في سريرها ..
    - اصبري يا رجاء ... اصبري .. الزمن بيحل كل شئ ..
    في غرفته جلس ابراهيم متململاً ضجراً وهو يشعر بدبيب النمل يجتاح جسده ويفصح عن احتياجه لاشياء انزوت في اعماقه منذ وفاة السرة والعينة ... لقد جعله رحيلهما معا في يوم واحد يشعر بحزن حقيقي لم يشعر به منذ زمن طويل .. تحديداً منذ اكتشافه ان حامد ليس ابوه .. يومها راوده احساس اليتم لاول مرة في حياته .. واوجعته الصدمة كما لم يوجعه شئ آخر ... لكن فقدان من انجبته ومن ربته ورعته كان له طعم مختلف ... طعم الفراغ .. لقد اصيب بالرعب من ذلك الاحساس الذي احتل روحه وجعله يفقد القدرة على التواصل مع كل ما حوله ومن حوله .. فانفصل عن واقعه وسجن نفسه داخل فقاعة صلبة شفافة ينظر من خلالها الى العالم الخارجي وهو يتحرك حوله دون ان يستطيع مشاركته في حركته .. فقدت كل الاشياء طعمها .. الاكل .. الضحك .. البكاء حتى سجائره المخلوطة القابعة في احد اركان خزانته لم تثر فيه رغبة تدخينها .. ولم يعد جسده يتجاوب مع الاغراءات المعتادة التي كانت تحركه فيما مضى ... حاول اخراج نفسه من هذه الحالة بشتى الطرق ...فقاد سيارته لساعات وساعات ... تجول في الشوارع المزدحمة .. وتاه في الخلاء المقفر .. وقف امام المباني الفخمة في الاحياء الراقية .. وخاض داخل الحفر الناتجة عن صب مياه البالوعات في الاحياء الفقيرة .. زار اضرحة الشيوخ وتاه وسط المزارع والزرائب .. نام على مقود سيارته امام البحر الصاخب وابتل جسده بالعرق عندما التصق به تراب الارض الحار .. كان فشل محاولاته اليائسة لاستعادة الاحساس بالحياة والتخلص من الفراغ الذي ابتلعه يدخله في دائرة جديدة من الحزن والاحباط .. زادتها سؤاً نظرات حبيبة التي تحولت من اللوم والاتهام الى الاستنجاد وطلب الدعم ...
    لذلك غمرته فرحة طفولية عندما احس بالوخزات التي تعبر جسده ... فهي دليل تعافيه من التبلد المؤلم الذي ناء بحمله طيلة الفترة الماضية .. نهض من جلسته بنشاط محموم .. بدل ملابسه .. وفي لحظات كان يقطع الصالة العريضة تسبقه رائحة عطره الخانق .. رفعت حبيبة راسها ورمقته بنظرة كليلة بعد ان رات في ملامحه شرارات ظنتها قد خبت ... تمتم بتحية باهتة دون ان ينظر الى النساء الجالسات اللائي تابعن خطواته حتى اختفى خلف البوابة .. تبادلت نعمات وحبيبة نظرة عميقة حملت معان خفية ونمت عن ادراك مشترك .. ففي احدى لحظات ضعفها النادرة احتاجت حبيبة لشخص آخر تشركه معها في السر الاسود الذي يخنقها .. فلم تجد غير نعمات التي كانت تبادلها الود والاحترام ... يومها اندهشت لجمود وجه نعمات .. ثم ادركت بانها كانت تعلم منذ زمن بعيد بعد ان اخبرها ود العمدة بهواجسه التي كادت تصبح يقين عن سلوك ابن اخيه المشين ... ولم يكن هناك ما يمكن فعله غير التزام الصمت والتظاهر بان ما يحدث غير حقيقي ...
    وقف ابراهيم امام باب سيارته وقد تجمدت يداه من لفح الهواء البارد .. دلف الى الدفء الداخلي واغلق الباب خلفه .. اشعل المحرك ثم لفافة التبغ وجلس ساكناً وهو يستمع الى صوت الماكينة يعلو وينخفض ويتامل دخان سيجارته التي تحترق بين اصابعه بشغف .. قاد بهدوء حتى وصل الى بيت (منّان ) الطيني بجدرانه القصيرة ولونه الكالح الحائر بين البني والرمادي ..عندما ترجل امام الباب الحديدي الصدئ بدا التناقض واضحاً بينه وبين المحيط المتواضع حوله ... دفع الباب بلهفة لترتد يده بالم .. فاعاد النظر اليه ليفاجأ بوجود جنزير حديدي سميك يطوق عنقه وفي نهايته قفل ضخم ... تبسم باستهزاء .. فالجدران القصيرة لا تحتاج الى جهد كبير لقفزها لكنه وقف بصبر نافذ وطرق بعنف حتى سمع انين باب الخشب الداخلي يعلن وجود مجيب لطرقاته .. راقب ابراهيم من خلف الحائط راس منان الاشيب وهويظهر ويختفي وسمع صوته المتوتر يسأل بحذر ..
    - منو ؟؟!! منو في الباب ؟؟!! ...
    - افتح يا منان انا ابراهيم ..
    تهللت اسارير الرجل البدين لمراى ضيفه واهتزت طبقات الدهن في جسده وهو يهرول تجاه الباب ..
    - معقولة ؟؟!! ... ابراهيم ود العمدة ؟؟!! ياخي بيتنا نور ... الليلة عيد ...
    وفي لحظات فُتح القفل وسُحب الجنزير الخانق وهو يصدر طقطقات عالية عند اصطدامه بالجسد الحديدي .. خطا ابراهيم داخلاً وعانق منان بحرارة ادهشتهما معاً ..
    - والله ليك وحشة يا منان .. مالك الليلة مقفل بالجنزير ؟؟ عندك شنو ؟؟ معاك منو ؟؟!!
    - معاي جادين بس ...
    توقفت خطوات ابراهيم عن الحركة وبدا يسحب يده من قبضة منان الذي تمسك بها بشدة ..
    - روق يا ود العمدة .. انا عارفك الزول دة ما بتدورو .. لكن ما عندك معاهو أي شغلة وهو زاتو ما حيقعد .. جا جاب لي بضاعة ومتخارج طوالي ..حرّم تدخل وتجربها ...
    حسم الحاح منان تردد ابراهيم الذي شعر بحاجة عقله الماسة الى طعم ورائحة الدخان الازرق .. فدخل الغرفة ليجد نفسه في مواجهة عيني جادين المستديرتين ونظراته الباردة التي تنضح كراهية .. لقد ظل لفترة طويلة يسال نفسه بحيرة عن سر هذه الكراهية ... بل حاول ان يزيل اسبابها بالطريقة الوحيدة التي يتقنها فاغدق عليه الاموال والهدايا .. لكن ماله المبذول لشراء الحب تحول الى حطب يغذي نار حقده عليه .. وعندما اصابه الياس منه بادله مشاعره بمثلها لكنها تفوقها سفوراً وقوة .. واصبح الكره بينهما كالظل الاسود الذي يخيم على كل جلسة تجمعهما .. القى ابراهيم التحية على جادين المطرق بتجهم ويتظاهر بالانشغال في اعادة رص قناديل البنقو على طاولة قصيرة امامه .. فرد عليه ببرود ودون ان يرفع راسه ... دلت نظرات منّان على حرجه من تصرف جادين العدائي فبالغ في الاحتفاء بابراهيم ...
    - يا ود العمدة ياخي اشتقنا ليك عديل كدة .. يا زول كيف تقطع مننا قدر ده وانت عارفنا غيابك ما بنحملوا ؟؟!! .. والله انا لولا ظروف بيتكم كنت جيتك .. اها الاهل كيف انشاء الله متصبرين ؟؟ ...
    اختار ابراهيم كرسيه المفضل وجلس بترفع واضعاً قدم فوق الاخرى لتنتصب مباشرة في وجه جادين الذي امتقع غضباً وتوترت حركات جسده حتى سقطت بضاعته الثمينة من يده وتبعثرت على الارض بفوضى .. كان ابراهيم يراقبه بعيون ضيقة اخفى نظرة الرضا والتشفي الواضحة فيها باسدال رموشه الغزيرة عليها .. لقد كان يستمتع بزرع الغضب داخل جادين محاولاً تعزيز احساسه بالدونية امامه .. الم يرفض ان يبيعه حبه ؟؟!! .. اذن سوف يمنحه كراهيته بلا مقابل .. لم يخف اسلوب ابراهيم المستفز على منّان فسعى لتلطيف الجو بعبارات مجاملة ..
    - والله يا ود العمدة المرة دي جادين جاب ( دوكو ) .. منجة بس !! يا زول انا جربتو قبيل وحسيت روحي طاير فوق السحاب .. ايه رايك ؟؟ الف ليك واحدة ؟؟ ...
    - لا ما تلف لي .. عندي مزاج الف براي .. بس ناولني العدة ...
    هرول منّان واحضر احدى الطاولات الموزعة في الغرفة ووضعها امام ابراهيم .. وسرعان ما اصطفت على سطحها مختلف انواع علب التبغ وحزمة صغيرة من الاوراق الناعمة وقندول متخم بالحبوب .. كان ابراهيم يتابع حركة صديقه الدؤوبة بلهفة حتى انتهى ..
    - شيل البرنسيسة يا منان وجيب لي ورقة بيضا عادية ...
    - اوووووه .. يا عمنا الظاهر عليك الليلة عندك مزاج ( نقرفة ) عالي ..
    وضع ابراهيم الورقة البيضاء في منتصف الطاولة .. اخرج علبه سجائره من جيب قميصه وتناول منها لفافة رفعها امام عينيه ودار بينهما حديث صامت ثم بدأ يضغط عليها برفق من اسفل الى اعلى حتى بدأت حبات التبغ الخشنة تطل براسها من مخبئها الضيق لينزلها بحرص على سطح الورقة .. كرر العملية بصبر حتى افرغ اللفافة من احشائها وحنى راسه على الطاولة متابعاً حركة اصابعه التي تعزل بعض قطع التبغ وتتخلص منها .. عندما انتهى من من عملية الفرز البطيئة حمل القندول ورفعه الى انفه ... استنشق منه نفساً عميقاً قبل ان يبدا بفركه بقوة فتساقطت حباته واستقرت مشكلة هرماً صغيراً تخللته انامل ابراهيم الطويلة ومزجته باحتراف حتى تكون الخليط الذي يرغبه .. حمل ورقة اخرى وطواها في شكل قرطاس بفتحة صغيرة اسفله ووضع بداخله مزيجه الغالي ثم بدا يعيده بحرص شديد داخل اللفافة المفرغة .. بعد ان استقرت آخر قطعة في مكانها حمل للفافة بعناية وضربها على طرف الطاولة ضربات سريعة متتالية ثم برم طرفها برقة قبل ان يشعلها ويعيد تموضع جسده داخل الكرسي العريض .. اغمض عينيه واسند راسه الى الخلف وبدأ يعب انفاس عميقة لا يكاد يخرج من دخانها الا اقله ... احس بهمومه تتلاشى .. وباحزانه تخرج من جسده وتتراقص حوله كالظلال قبل ان تتبدد في فضاء الغرفة الخانق ... لم يعد هناك احساس بالفراغ .. لقد امتلا جوفه بفيضان من الالوان الزاهية .. وبدا يشعر بسعادة كان قد افتقدها منذ زمن طويل .. تراقصت ابتسامة رضا على شفتيه وما لبثت ان تحولت الى ضحكات عابثة .. قاطعها جادين بصوت كالفحيح..
    - صحي دنيا دبنقا !! .. ناس تجري وتتعب وتجازف بروحها عشان تجيب البضاعة وناس تلقاها باردة وعلى الجاهز ...
    رفع ابراهيم راسه من اتكاءته ونظر الى جادين بجفون خاملة .. واتسعت الابتسامة الناعسة وهو يخاطب غريمه باستعلاء متعمد زاده وضوحاً تلاعب الدخان الازرق بخلايا عقله الواهن ...
    - تعرف يا جادين انك زول حاسد وحاقد ؟؟!! .. انا بس المحيرني انت بتكرهني قدر دة ليه ؟؟ انا عملت ليك شنو ؟؟ .. عرست امك ولا قتلت ليك زول ؟؟ .. ياخي حكمة ربنا اني طلعت غنيان وعندي قروش كتيرة وانت طلعت فقران وعدمان وصرمان .. يعني عاوز تعتطرد على حكمة رب العالمين كمان ؟؟!! ولا عاوز تحاسبه عشان بقاني كدة وبقاك انت كدة ؟؟!! دي حاجة غريبة والله .. ياخي بيّض نيتك شوية يمكن ربنا يفتح عليك ...
    اصبح جادين صورة مجسدة للغضب فهب واقفاً بعنف .. وخرج صوته زاعقاً حاداً ..
    - انا حاقد ؟؟!! .. انت بحسدك ؟؟!! على شنو ؟؟!! عشان غنيان ؟؟ طظ فيك وفي قروشك .. وبعدين مش لمن تبقى قروشك بالجد ؟؟!! هو انت جبتها بضراعك ولا بنفاعك ؟؟ اشتغلتها ولا تعبت فيها ؟؟ انت حيا الله قمت من نومك ولقيت كومك ... يعني لو ما قروش عمك انت ما كنت حتسوى بصلة معفنة ...
    - براحة يا جادين ... روّق شوية احسن يطق ليك عرق .. وبعدين ياخي القروش حقتي حقت عمي .. حقت ابوي .. ولا حتى حقت امي .. ما مهم .. المهم انو عندي قروش وقروش كتيرة شديد بقدر اشتري بيها أي حاجة انا عاوزها ...
    - لو بتقدر تشتري بيها أي حاجة كنت اشتريت بيها رجالة تتم بيها نقصك .. اوعى تكون مفتكر عشان قدرت تغش الناس كلها بعرسك وولادتك حتقدر تعمل فيها راجل عليّ انا كمان ؟؟!! ... احنا دافنينو سوا .. وانا عارف قيرك وقعيعيرك .. اها انا ما عندي زي قروشك .. لكن احمد الله انا راجل كامل وما فيني نقص بيحوجني اتدسى ورا العندي ..
    احس ابراهيم ببروده يفارقه وبدات الدماء تغلي في عروقه ... لقد نكأ جادين جرحه ومكمن وجعه فوقف بعنف في مواجهة خصمه الضئيل ..
    - انا راجل غصباً عنك يا كلب .. عاوز تعرف رجالتي ؟؟ تعال هسة اوريك ليها ..
    تراجع جادين خطوة الى الوراء وارتفعت ضحكته ساخرة ..
    - رجالتك دي وريها للبتشتريهم بقروشك .. انا ما لازماني ... وكان انت مقتنع انك راجل زيك زيي واحد .. اريتها الرجالة تطير ..
    لم يشعر ابراهيم بيده وهي تصطدم بوجه جادين .. لكنه سمع صوت الآهة التي اطلقها قبل ان تطيح به الضربة ارضاً .. عندما دخل منَان الغرفة فوجئ بمنظر ابراهيم المتحفز وجادين المرمي ارضاً وقد امتلا وجهه بالدماء التي تسيل من انفه وشفتيه ...
    - بسم الله في شنو يا جماعة ؟؟!! مالكم ؟؟ استهدوا بالله .. الحصل شنو ؟؟!!
    قفز جادين من سقطته صارخاً ...
    - التافه دة ضربني عشان وريتو حقيقتو ... لكن والله ما افوتها ليك يا واطي .. وان ما اخدت منك حقي بايدي ابقى صحي انا المرا وانت الراجل ..
    بحركة مفاجئة رفع كم جلبابه العريض واستل من حزام جلدي مربوط بذراعه خنجر صغير لامع ... وقبل ان يدرك أي منهم خطوته التالية كان السلاح المميت قد استقر في بطن ابراهيم الذي تمايل بذعر وهو يحاول سد الفجوة التي تنزف منها الدماء بغزارة ... تسمر منّان في مكانه وحل بالغرفة سكون تام الا من صوت تنفس ابراهيم المتسارع .. عندما استوعب جادين ما فعلته يداه .. رمى سلاحه واطلق ساقيه للريح ...
    شق حامد طريقه الى داخل الغرفة التي وضع فيها ابراهيم وقد امتلات برجال الشرطة بينما تحلق بعض الفضوليين خارجها .. اخافه شحوب وجه ابن اخيه الذي حاكى لون غطاء السرير القذر .. والتفت الى الطبيب بتساؤل صامت ...
    - ما تخاف يا حاج حامد حيبقى كويس .. هو فعلا فقد كمية كبيرة من الدم .. لكن قدرنا نلحقو .. ما شاء الله بنيته قوية وحيتحمل .. كلها كم يوم ويرجع لحالتو الطبيعية ...
    التقط ضابط الشرطة الموجود في الغرفة طرف الحديث وخاطب حامد باحترام ينم عن معرفة سابقة
    - معليش يا حاج حامد .. اول ما يفوق حنكون مضطرين نسوقو عندنا .. الموضوع الدور دة ما ساهل ومافي طريقة نلمو زي كل مرة .. دي بقت فيها محاولة قتل .. اضافة لكدة البيت الاتضرب فيهو سيدو تاجر مخدرات معروف وسمعتو زي الزفت .. وعامل بيتو وكر للمنوعات وحاجات تانية كتيرة ...ولمن مشينا بعد البلاغ لقينا مخدرات بالكوم ... والزول الطعن ابراهيم زاتو تاجر معروف .. الدورية قبضت عليهو في موقف الباصات كان بيحاول يسافر .. واول حاجة قالها انو ابراهيم هو سيد التجارة كلها وهو الممول لنشاطهم ... ولو التحقيق اثبت صحة الكلام دة وانو ابراهيم فعلاً متورط معاهم في تجارة البنقو .. حتواجهوا مشكلة كبيرة وصعب يطلع منها .. المرة دي .. حتى انت ما حتقدر تعمل ليهو حاجة ..

  5. #20

    الحالة
    غير متصل
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    المشاركات
    38

    افتراضي

    الفصل العشرون


    اختار جمال الجلوس في اعلى مكان داخل القاعة الفسيحة .. فالتقطت عيناه كل شاردة وواردة تدور في الكنبات المتدرجة تحته .. تشبعت خياشيمه بعبق الرطوبة المخلوط بروائح المحاليل والتي اضفت على المكان جواً مميزاً ادمنه طلاب كلية الطب .. حاول ان يشغل نفسه بقراءة الكتاب الضخم القابع على حجره منذ فترة طويلة دون ان يتزحزح عن الصفحة الاولى .. كان يرفع راسه بانتباه كلما احس بظل قادم يحجز ضؤ الشمس الذي لا يستطيع التوغل الى مساحة اكثر من المدخل العريض حيث اعتاد جميع الداخلين التوقف بعده لبرهة حتى تعتاد اعينهم على عتمة المكان برغم اضواء النيون الموزعة في السقف بسخاء ..
    كانت الكنبات تحته شبه فارغة الا من قلة قليلة .. نظر الى ساعته بقلق .. لقد تاخرت منال عن موعدهما وهذا تصرف غير معتاد منها ... شرد عقله في الترتيبات التي عكف عليها منذ اشهر وتبسم بسعادة لنجاحه في تجهيز كل الاوراق اللازمة لضمان حصولهما على تاشيرة الدخول الى استراليا التي قرر الذهاب اليها حتى يكونا بمنأى عن ردود الفعل المتوقعة لهروبهما سوياً .. لم يكن يهتم بما قد يحدث له .. لكنه لن يتحمل ان يحدث أي شئ لمنال ... حبيبته التي يجعله احساسه بها على استعداد للقيام باكثر الامور جنوناً في العالم حتى هجران دينه وعشيرته ... حتى اقتلاع جذوره وهدم كل جسور التواصل مع اهله ... كان اكثر ما يؤلمه هو اضطراره لترك امه .. هذه المرأة التي ظلمتها الحياة فلم تستسلم .. وتحدت ظلمها ببذل مزيد من الحب لكل من حولها .. تذكرها بحزن وحنان .. خوفه عليها من مغبة تصرفه هو الشئ الوحيد الذي يفتت عزمه احيانا ويجبره على اعادة التفكير .. لا يريد ان يتسبب بايلامها .. خصوصاً الآن وهي ما زالت تعاني من هجران جانيت للمنزل واعتصامها ببيت عمها .. لقد حاولت المستحيل لاعادة ابنتها .. وعندما فشلت .. اعتصرها الالم وتحولت الى شبح حزين صامت .. حتى خطبة جاكلين لناصر لم تنتزع منها الا ابتسامة باهتة اثناء وقوفها في باحة الكنيسة لاستقبال ضيوفها ... كانت عيناها مشغولتان بالبحث عن طيف ابنتها المتمردة .. لقد املت في حضورها حتى تستطيع الانفراد بها بعيدا عن سطوة اعمامها ومحاولة اقناعها بالعودة .. لكنها خيبت امال الجميع وزرعت الحزن في قلوبهم بمقاطعتها الحفل
    افاق جمال من شروده على هزة ناعمة من كف رقيق استقر على كتفه .. رفع راسه ليطالع وجه منال الفاتن بابتسامتها المغرية .. تهللت اساريره وغاب عن باله كل شئ الا وجودها بقربه .. تلاشت كل الافكار القاتمة وتوارى قلقه وانزوى حزنه خلف اشراقة حضورها وشوقه الجارف اليها ..
    - اللي واخد عقلك يا دكتور !! سرحان وين قدر دة ؟؟!! ... لي ساعة بأشّر ليك وانت غايب في عالم تاني ..
    طفا به صوتها الهامس في غيمة مخملية واستنفر حواسه الجائعة اليها ... امسك يدها النائمة على كتفه وسحبها حتى اجلسها بقربه فاندلعت تيارات من الكهرباء تعبث باعصابه من جراء التصاق جسديهما ...
    - وحياتك انتي مافي واحدة غيرك واخدة عقلي وروحي وقلبي وتفكيري وكياني ... وحشتيني يا منال .. ليه غبتي عني قدر دة ؟؟ انتي مش عارفة اني ما بتحمل بعدك فترة طويلة ؟؟!! ..
    جاوبته بابتسامتها المغرية ثم انحنت كأنها تهمّ بالتقاط شئ سقط منها ارضاً .. وبهدوء استقرت شفتيها على ظهر كفه في قبلة دافئة متانية حبست انفاسه وانتقل تاثيرها من يده لينتشر في جسده كالحمى ... اغمض عينيه وهمس باسمها مرارا وتكرارا ...
    عندما رفعت راسها احست بالغرور وهي ترى تاثير ما فعلته واضحا في نظراته الذائبة ويديه المرتعشتين ..
    - اعمل شنو يا جمال ؟؟ انت ما شايف الظروف الاحنا بنمر بيها ؟؟ اول شئ وفاة حبوبة السرة وحبوبة العينة في يوم واحد .. لسة ما خلصنا حصل الحادث بتاع خالو ابراهيم .. واهو يادبوك طلع من المستشفى على السجن طوالي .. وجدو عاوز يجن من الموضوع ده .. ما خلى محامي في البلد ما وكلو ليهو ... لكن الظاهر الموضوع المرة دي اكبر من نفوذ ود العمدة زاتو .. وكمان رحمة حامل وتعبانة شديد ... امي رفضت تخليها تجي تقعد معانا.. قالت ليها البيت عندنا جايط وما حترتاح وجبرتني انا امشي عندها كل يومين اقعد معاها واساعدها .. هسة الليلة انا طلعت بالعافية .. ولو امي عرفت اني خليت رحمة براها حتكسر رقبتي .. اها يلا وريني بسرعة عملت شنو لاني ما بقدر اقعد كتير ..
    - طيب يا ستي اسمعي .. حصل كالآتي ...
    كانت منال تستمع اليه وبداخلها دوامة من المشاعر المتناقضة .. خوف وفرح .. لهفة وحزن .. قلق وترقب .. لقد فكرت كثيراً في نتيجة فرارهما على اسرتيهما .. اصبح الارق رفيقها في الليالي الاخيرة وهي تتخيل مئات السيناريوهات لما يمكن ان يحدث بعد اختفائهما .. كل التصورات كانت ماساوية ومخيفة .. لكنها في قرارة نفسها ايقنت بانها مستعدة لتحمل تبعات قرارها .. ما لا تستطيع تحمله هو فكرة الحياة بعيداً عن جمال .. بعيداً عن حبه واهتمامه .. بعيداً عن وجوده .. كانت تشعر بحجم التضحية التي يتوجب عليه تقديمها حتى يكون معها .. وتقدرها حق قدرها .. فهو سيتخلى عن دينه وانتماؤه .. وسوف يقطع كل جذوره بعالمه القديم من اجلها ...
    - منال .. عاوز اسالك للمرة الاخيرة .. لانو بعد دة ما حيكون في أي طريقة رجعة لورا انتي مقتنعة تماما بالشئ الاحنا بنعمل فيهو دة ؟؟ واثقة من قرارك ؟؟ ما حقدر اتحمل لو في يوم من الايام حسيت انك ندمانة ولا متحسرة على أي خطوة مشيناها مع بعض ..
    قبضت منال كفه بقوة وتسللت اصابعها بين اصابعه وتقاطعت معها في اندماج حميم .. مالت على اذنه وحشرت صوتها الهامس بداخلها ...
    - جمال .. احساسي بيك بقى اكبر من أي نقاش ... بقى قناعة ثابتة ... شئ ما بقدر اتنازل عنو حتى لو عاوزة .. حسرتي الوحيدة بعدين حتكون على العمر الفات بدون ما اكون فيهو بانتمي ليك فعلا .. امشي في التجهيزات زي ما احنا متفقين .. بس اديني شهر واحد عشان ارتب باقي حاجاتي كلها ومنها اطمن على رحمة وخالو ابراهيم .. بعد كدة .. انا كلي ليك يا جمال ..
    تلفت جمال حوله بحثاً عن أي اعين فضولية تراقبهما .. لكن كل من جلسوا تحته كانوا اما غائبين في اعماق كتبهم .. او غارقين في بعضهم البعض كما هو حاله مع منال .. مال عليها وطبع قبلة شغوفة في خدها الناعم ... تمنى لو استطاع الانحراف قليلاً حتى يستعيد ذلك الاحساس الذي عاشه في تلك اللحظة الفريدة يوم زواج رحمة .. لكن توتر منال انباه بضرورة الاكتفاء بما هو متاح حالياً ..
    تحركت من جانبه بعناء تركته وفي عينيها وعود كثيرة .. وقبل تبدا في هبوط الدرجات التفتت اليه وتحركت شفتاها بجملة صامتة لم تسمعها اذنه ... لكنها ضجت في اعماقه كما لو انها صرخت بها غادرت وتركته شاردا فيها بعد ان تركت رائحة عطرها ترافقه في جلسته .. شعر بالحماس لاكمال ما بداه ... وباللهفة الى حد الرغبة في اختزال الايام وصولا الى اللحظة التي يتمناها وينتظرها بشوق .. فجاة عاد به تفكيره الى امه .. فاختفت كل الاشياء الا وجهها الباكي .. احس بالضيق والعجز ... وتاه في افكار من نوع آخر تقاطع فيها احساسه بالذنب مع احساسه بالمسئولية ورغبته في تقديم شئ لها يعوضها عن غيابه .. هدية اخيرة تشفع له بعد غيابه الابدي عنها .. ثم قرر ان تكون هديته اعادة جانيت الى حضنها مهما كلفه الامر ... ربما يجعلها هذا تغفر له ما سياتي .. حفزه تفكيره على الحركة فخرج من مبنى الكلية مسرعاً وكان طيلة الطريق الى منزل عمه يفكر في المدخل المناسب الى شقيقته ... لم يكن قد استقر على شئ حتى لحظة وصوله امام باب المنزل الذي لم يزره منذ مراهقته الا مرات تعد على اصابع اليد الواحدة ... ترجل بتردد بعد ان بدا يساوره الشك في سلامة قراراه بالحضور .. كان على وشك التراجع عندما فتح الباب وظهر خلفه احد ابناء عمه رمقه بنظرة ناكرة مستغربة .. تمعن فيه بدقة .. ثم ارتسمت ابتسامة عريضة على شفتيه ومد يده بترحاب ..
    - ابن عمي الدكتور جا يزورنا ؟؟!! .. دي خطوة عزيزة .. اتفضل يا راجل .. معليش بالاول ما عرفتك .. شكلك اتغير شديد .. احنا لينا كم سنة ما شفنا بعض ؟؟ ...
    تناول جمال اليد الممدودة وبادله التحية بحرارة مصطنعة بينما حملت نبرات صوته الكثير من اللوم..
    - اتلاقينا قبل سبع سنين لمن جيت مع عمو تباركوا لي دخول كلية الطب ..
    - بلاهي مرت سبعة سنين ؟؟!! يا يسوع !! شوف الزمن كيف بيجري .. طيب كويس انو جانيت جات عندنا عشان نشوفك .. ادخل ..دي ماما ما حتصدق انك جيتنا
    كان يسير وراء ابن عمه في الممر الضيق بخطوات نادمة .. وتفاقم ندمه عندما عندما انتهى الممر فجاة ووجد نفسه في حوش فسيح اصطفت فيه الاسرة والكراسي التي جلس عليها عدد لا يقل عن عشرة اشخاص ما بين نساء ورجال واطفال كانت عيونهم تراقب دخوله بصمت وريبة ...
    - طبعا ما عرفتو دة منو مش كدة ؟؟!! ما بتنلاموا لانو ليهو عشرة سنين تقريباً ما دخل بيتنا .. يا جماعة دة دكتور جمال ولد عمي ... يا جمال ديل اولاد عمك وبناتو ورجالهم ونسوانهم وعيالهم ....
    استغرقت جولة التحية زمناً طويلاً وهو ينتقل من شخص الى آخر مجيباً على طوفان الاسئلة المتواصل عن اهله ودراسته .. ثم تبعها الحاح زوجة عمه بشرب الشاي باللبن ..
    - وحياة المسيح دة شاي ما حتكون شربت زيو من سنين .. بلبن البقر الصافي المقنن .. ومرة عمك عاملة بسكويت مفرمة وخميرة لبن يغني عليهم المغني ... اقعد اشرب اكيد امك ما بتعمل ليكم الحاجات دي .. اصلها من زمان مدلعة روحها وما بتحب التعب ...
    اغاظه الانتقاد الصريح لوالدته المكافحة .. اراد ان يصرخ فيهم ان يكفوا لسانهم عنها .. لكنه سجن انفعالاته حتى لا يضيع فرصة رؤية شقيقته .. كان اختلاط اصواتهم وارتفاعها يصيبه بطنين في اذنيه وبرغبة قوية في مغادرة المكان زادها تفاقماً ظهور عمه المفاجئ بلهجته المستفزة ..
    - جمال ؟؟!! ايه المفاجاة دي ؟؟!! .. ازيك يا ولد ؟؟ عامل ايه ؟؟ وينك ما بتجي تشوف اهل ابوك ؟؟ ولا دي امك الحامياك تجينا ؟؟!!
    تجاهل جمال الجملة الاخيرة واجاب عمه بتهذيب بارد ..
    - اهلاً يا عمو .. كيف صحتك واخبارك ؟؟ ...
    - صحتي بمب زي ما شايف يا دكتور .. لكن اخباري زفت .. بلاهي دي عملة تعملها امك ؟؟ تدي بت اخوي لولد الحبشية ؟؟!! ليه ؟؟ اولاد الاقباط خلصوا من البلد ؟؟!! وانت وخالك كيف تسمحوا بحاجة زي دي ؟؟ كيف توسخوا عيلتنا الطول عمرها نضيفة بالطريقة دي ؟؟ والمسيح .. انا لولا الناس مسكتني كنت جاي الكنيسة افضي مسدسي في اختك وامك ...
    تملك الغضب جمال من اللهجة المهينة المتحاملة التي يتحدث بها عمه .. فخرج صوته جافاً متوتراً..
    - لو سمحت يا عمو ما تتكلم عن ماما بالطريقة دي .. انا عاوز اعرف انتوا ليه بتكرهوها للدرجة دي ؟؟ عملت ليكم شنو ؟؟ ماما الانت بتشتم فيها دي ربت اولاد اخوكم لمن انتو اتخليتوا عنهم ... هجرت كل شئ ونست روحها ورفضت تتزوج تاني برغم انها كانت في عز شبابها وجمالها .. اشتغلت خياطة وباعت البسطرمة والسجق وهي الطول عمرها مدللة في بيت ابوها عشان تربينا وما نحتاج لحد ... عمرها ما اذتكم ولا اتطاولت عليكم .. حتى لمن رفضتوا تدوها ميراث بابا ما سالتكم ولا عملت معاكم مشكلة ..
    - تعمل معانا مشكلة ؟؟ وهي تقدر ؟؟ وبعدين نديها ميراث اخونا عشان تستمتع بيهو هي واهلها ؟؟ دة بعدها وبعدهم .. الميراث محفوظ .. ولمن انت واخواتك توصلوا سن معينة كل واحد فيكم حياخد نصيبوا ... امك ما مننا .. ومن اول مرة ابوك قال عاوزها احنا رفضنا وقلنا ليهو مستحيل تتزوج واحدة من برة كنيستنا .. لكن هي اكلت مخو وخلتو يمشي وراها زي العميان .. خلتو يعصى ابوهو واخوانو الاكبر منو .. دة حتى في النهاية خلى كنيستنا وبقى يمشي معاها .. ودي بقى العمري ما حاغفرو ليها ..
    - عموماً يا عمو انا ما جاي اناقش مشكلتكم مع ماما .. انا جاي اشوف جانيت واتكلم معاها .. نادوها لي لو سمحتوا ..
    - جانيت ما موجودة .. طلعت شغل مع الكنيسة .. وما حترجع قريب .. لمن تجي حنكلمها انك جيت تزورها ..
    احس جمال بالغيظ والاحباط لفشل محاولته رؤية شقيقته فهب مسرعا وهو يلقى التحية على الحاضرين بفتور وخرج .. جلس خلف مقود سيارته وهو يبحث عن كلمات لائقة ينهي بها هذا اللقاء العاصف مع عمه الذي اتكا على الباب وهو ينظر اليه بسخرية .. لم يجد شيئا يقله فادرا المفتاح وهمّ بالحركة عندما اتت سيارة مسرعة وتوقفت امامه برعونة مثيرة عاصفة من الغبار .. اخرج راسه ليحتج على السائق الذي نزل مهرولاً بثياب تلطخها الدماء وقد بدت عليه سيماء الانزعاج الشديد ..
    - الحق يا بابا .. الحملة حصلت فيها مشكلة .. ناس المنطقة المشينا ليها ضربونا ضرب شديد ... وجانيت في المستشفى ...
    قفز جمال مذعورا من سيارته عندما سمع اسم اخته .. وامسك ذراع الفتى واداره عليه بعنف ..
    - جانيت ؟؟ جانيت اختي ؟؟ الحصل ليها شنو ؟؟ الضربها منو ؟؟ وليه ؟؟ وفي ياتو مستشفى ؟؟
    نظر الفتى الى جمال بحيرة وخوف .. ثم التفت الى ابيه الغاضب الذي خرج صوته هادراً ..
    - اتكلم يا ولد .. حصل ايه ؟؟!!
    - ضربوهم يا بابا .. ضربوهم وكسروا عضامهم .. و في ناس ماتت ..
    - مين اللي ضربهم ؟؟!! ..
    - لمن وصلنا المنطقة اتوزعنا مجموعات .. كل مجموعة مشت مكان وبدينا نخش البيوت مجموعة جانيت دخلت بيت وطلعوا سيادو مسلمين متعصبين .. قفلوا عليهم الباب ووقعوا فيهم ضرب وبعدين رموهم لينا في الشارع زي الكلاب .. كانوا بيموتوا قدام عيوننا واحنا ما قدرنا نعمل أي حاجة ..
    انهار الفتى باكياً بين ذراعي ابيه .. وبالكاد استطاع جمال ان ينتزع منه اسم المستشفى الذي ادخلت اليه جانيت ليسابق الريح بسيارته وقد انقبض قلبه واحس كان الدنيا باسرها تطبق على انفاسه .. وظل هذا الاحساس يراوده اثناء وقوفه امام القبر المفتوح وهو يستمع الى كلمات القسيس التي خرجت منه بصوت باك ...
    " أبانا الذي في السموات. ليتقدس اسمك. ليأت ملكوتك.
    لتكن مشيئتك. كما في السماء كذلك على الأرض.
    خبزنا الذي للغد أعطنا اليوم.
    وأغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضا للمذنبين إلينا.
    ولا تدخلنا في تجربة. لكن نجنا من الشرير.
    بالمسيح يسوع ربنا لأن لك الملك والقوة والمجد إلى الأبد. آمين.
    طيلة ايام العزاء انشغل معظم الحضور عن مواساة اهل البيت في فقدهم بالحديث عن الحادث واسبابه .. وتطايرت العبارات الثائرة حتى في حضور وفد الحكومة الذي اتى معزياً وهو يحمل وعوده بالقبض على الجناة وتقديمهم للمحاكمة ... قابله الحضور برفض بارد وصامت ... لتشتعل النقاشات مرة اخرى بعد مغادرته ..
    - يا جماعة الحصل دة شئ مؤسف ومؤلم وطعنة لينا كلنا ... لكن خلونا نقول الحق .. الغلط في الاساس من منو ؟؟ ليه الكنيسة ترسل اولاد صغار زي ديل في حملات تبشير ؟؟ الشغل دة عاوز ناس عندها خبرة وبتعرف تمشي وين ومتين وتتصرف كيف في الحالات الزي دي ... هسة حتى لو قدموهم لمحاكمة حيقولوا انو هم الدخلوا للناس في بيتوهم .. يعني ما طلعوا اتهجموا عليهم في الشارع وضربوهم ..
    - حق ايه وباطل ايه البتتكلم عنو ؟؟ يعني الحق انهم يقتلوا عيالنا وبعدين يغشونا بكلام محاكمة وقانون ؟؟ احنا لازم ناخد حقنا بايدنا .. الحكومة ما حتجيب لينا دم عيالنا الراحو .. وبعدين الاولاد ديل الكنيسة ما رسلتهم .. هم الاتطوعوا يمشوا كجزء من نشاطهم .. وفرضاً الكنيسة رسلتهم .. وهم الدخلوا بيوت الناس .. فرضاً انو الكلام ما عجبهم .. كانوا يشاكلوهم .. يطردوهم .. لكن يضربوهم لمن يكسروا عضامهم ؟؟ يقتلوهم ؟؟ دة منتهى الوحشية .. واحنا ما لازم نسكت .. الموضوع دة لازم يوصل لاعلى جهة .. ومجلس الكنايس لازم يتحرك والا بكرة الحكومة تغطي عليهو ويقولوا لينا عشان الفتنة وعشان السلام .. ويتنسي الموضوع زي الما حصل شئ ...
    كان الحوار يعمق جراح كل الحاضرين ويعيد جمال الى المشهد الذي انطبع في ذاكرته الى الابد .. مشهد جسد جانيت النحيل وقد تغطى بالدماء .. جمجمتها المهشمة وشظايا العظام المزروعة في المخ المكشوف لقد فعل المستحيل حتى تبدو الجثة باحسن صورة عندما تراها امه المنهارة .. لكن فقدانها الوعي عند رؤيتها دل على فشله في تجميل ما حدث .. وبرغم الدعم اللامتنهاي الذي تلقته اسرته من الاهل والاصدقاء والجيران .. الا ان الحزن المصحوب بدهشة ناقمة لم ينقص .. وبانقضاء اليوم الثاني للعزاء اصبح التحفز سيد الجو في الصيوان الصغير بين اهله وعشيرته وبين اصدقاؤه وجيرانه المسلمين بعد ان اصبح النقاش بين الطرفين يتجه الى منحنيات خطيرة .. لم يحسم الامر سوى خروج رجاء المنهارة وهي تستند على كتف شقيقها ومخاطبة الجمع الثائر بعد ان توغل توتر الخارج الى داخل المنزل واصبح الوضع لا يطاق ..
    يا جماعة انا بتي خلاص راحت .. خلوها ترتاح في قبرها وما تعملوها سبب عشان تقوموا حرب وتسيل الدموم .. انا شخصيا مسامحة وما مطالبة اي زول باي شئ .. حانتظر القانون يجيب لي حقي وحق بتي .. ودة ما خوف ولا ضعف .. لكن انا باعمل كدة لاني انسانة مؤمنة وباعمل زي ما المسيح هدانا لمن قال :

    " سمعتم انه قيل عين بعين وسن بسن. واما انا فاقول لكم لا تقاوموا الشر. بل من لطمك على خدك الايمن فحوّل له الآخر ايضا. ومن اراد ان يخاصمك وياخذ ثوبك فاترك له الرداء ايضا. ومن سخرك ميلا واحدا فاذهب معه اثنين. من سألك فاعطه. ومن اراد ان يقترض منك فلا ترده ...
    سمعتم انه قيل تحب قريبك وتبغض عدوك. واما انا فاقول لكم احبوا اعداءكم. باركوا لاعنيكم. احسنوا الى مبغضيكم. وصلّوا لاجل الذين يسيئون اليكم ويطردونكم. لكي تكونوا ابناء ابيكم الذي في السموات. فانه يشرق شمسه على الاشرار والصالحين ويمطر على الابرار والظالمين. لانه ان احببتم الذين يحبونكم فاي اجر لكم. اليس العشارون ايضا يفعلون ذلك. وان سلمتم على اخوتكم فقط فاي فضل تصنعون. أليس العشارون ايضا يفعلون هكذا. فكونوا انتم كاملين كما ان اباكم الذي في السموات هو كامل"

    يبقى الله يخليكم اقفلوا السيرة دي وشوفوا ليكم موضوع تاني اتكلموا عنو .. استدارت ودخلت ليسود بعدها صمت غاضب مضطرب ... وإنقطعت المناقشات حتى انقضاء اليوم الثالث وانفضاض الحشد كل الى حياته .. وبات على الاسرة الصغيرة ان تواسي بعضها البعض خصوصا رجاء التي هدها الحزن ونالت منها الفجيعة حتى الزمتها الفراش ...
    كان جمال يحس باحتياجه الشديد لمنال ورغبته في وجودها الذي يخفف عنه المه .. لكن الاولوية اصبحت لاسرته .. لقد نسى نفسه ورغباته وامنياته .. لم يشعر حتى بمرور الشهر الذي اتفق عليه معها كميعاد نهائي لزواجهما وسفرهما .. غرق في الهموم لدرجة انسته كل شئ برغم وجود منال الدائم في منزلهم برفقة جاكلين الجزعة من موت نصفها الاخر .. كان يرافقها حتى باب بيتهم عندما تتاخر ليلاً .. يسير معها في الدرب صامتاً شارداً فتنظر اليه باشفاق وتفهم .. لم تذكره بموعدهما .. وانتظرته بصبر حتى يفيق من حزنه .. وعندما اكملت جانيت اربعين يوماً اقيم لها قداس مختصر في الكنيسة وطلب جمال من منال ان تلتقيه بعدها في الكلية ...
    - منال .. أنا آسف .. ما حقدر التزم بوعدي ليك .. وبحلك من أي وعد انتي وعدتيني ليهو .. انتي حرة يا منال .. امشي عيشي حياتك .. وانسيني ..
    ادخلته شهقتها المصحوبة بسيل من الدموع في دوامة من العذاب .. لقد جلس مع نفسه لايام .. وحيداً وهو يفكر في التزاماته نحو اسرته بعد ما حدث .. والتزامه تجاه من احبها قلبه بكل ما يملك من قدرة على الحب .. كانت المفاضلة مجحفة لكل الاطراف .. ثم قرر ان يبعد قلبه وعواطفه من الامر حتى يستقيم تفكيره .. لم تكن امه ستحتمل ضربة اخرى خصوصا اذا اتت منه .. ارتداده عن دينه وهروبه مع منال سوف يقضيان عليها .. عاش ايام من التمزق بين ولاؤه لاسرته .. وحبه وحلمه وامله .. وعندما انتصر ولاؤه لاسرته احس بدبيب الموت يزحف الي اعماقه ويستولى على روحه وما تبقى من مشاعره ...
    - جمال .. انت بتعاقبني على موت جانيت ؟؟!! .. بتحملني وزر انو قتلوها مسلمين ؟؟!! عشان كدة عاوز تخليني ؟؟ .. أنا ذنبي شنو ؟؟ انا بحبك .. انا ...
    كانت الكلمات تخرج من بين شفتيها متقطعة .. جريحة .. تخنقها شهقات البكاء .. كان يظن انه حصن نفسه ضد أي ضعف قد يعتريه امامها .. لكنه لم يحتمل رؤية دموعها .. وتمنى الموت في تلك اللحظة لانه تسبب بتعاستها .. كان شاكراً لعزلة المكان وعتمة الغروب التي اتاحت له فرصة احتوائها بين ذراعيه .. وضع راسها على صدره وبدأ يتارحج بها وهو يهمس اعذاره في اذنها .. كان يهدهدها كطفلة صغيرة .. يربت على شعرها ويمسح دموعها .. وعندما احس بان ضعفها قد بدا يتسلل اليه ... ابعدها عنه برقة .. امسكها على امتداد ذراعيه .. وكانت عيناه كالبركان ...
    - منال .. لا انا ولا انتي حنقدر نحمّل ضميرنا عبّء أي حاجة تحصل لماما .. انا بس عاوزك تختي نفسك مكاني ... بالظروف البيمر بيها بيتنا .. بحالة امي .. تفتكري بقدر امشي واخليها .. دة حتى يا منال انا لو عملت كدة انتي مفروض تخافي مني وما تأمني لي في المستقبل ... لاني لو اتخليت عن اهلي وهم في الظروف دي ممكن عادي جدا اتخلى عنك انتي كمان في أي لحظة ...
    كان صوتها المتضرع يذبحه ..
    - بستناك يا جمال ... بستناك لغاية ما الظروف تتصلح ونتطمن على خالتي رجاء وبعد كدة نعمل الاتفقنا عليهو .. احنا لسة صغار ... وانا ما مستعجلة ... حستناك ولو مية سنة بس ما تقول لي البينا انتهى .. ما بقدر اتحمل الشئ دة يا جمال .. ما بقدر ..
    - لا يا منال ... انا ما بخليك تعملي كدة .. ولا ضميري بسمح لي اعلقك معاي لزمن ما معروف مداهو متين .. المسالة ما بقت هسة ولا بعدين .. الموضوع بقى اكبر من كدة بكتير .. يا منال افهميني .. انا مسئوليتي تجاه اهلي زادت بعد الشئ الحصل دة .. براك شايفة حالة ماما من يوم وفاة جانيت .. منهارة وراقدة في السرير .. ما قادرة تستوعب الحصل لبتها .. ما مصدقة انها ماتت ومرات تتوه في عالم تاني وتقول انو جانيت سافرت وحترجع .. لمن كلنا بقينا خايفين عليها شديد .. منال .. انتي عارفة أي ارتباط بينا مستحيل طول ما احنا هنا .. وانا طلعتي برة البلد بقت مستحيلة برضو .. اوعي تفتكري انو سهل علي اجي واقول ليك الكلام دة .. والله دي اصعب حاجة عملتها في حياتي كلها... و لاني عارف اخليك معناها اتخلى عن سعادتي واملي واحلامي .. اتخلى عن حياتي كلها .. واعيش تعيس لغاية آخر يوم في عمري .. لكن انا وانتي عارفين انو الحياة اولويات .. قبل فترة قصيرة جداً انتي كنتي في اعلى القائمة .. انا ما اتخيلت لحظة اني حانزلك من عليائك دي .. لكن احنا نقول شئ .. وربنا يقول شئ تاني ..
    رفعت منال وجهها البلل بالدموع وكانت كلماتها واثقة ومتحدية ...
    - بستناك يا جمال .. مهما طال انتظاري .. بستناك ..
    - لا يا منال ... ما تجمدي حياتك .. انا خلاص اقتنعت انو محكوم علي اعيش من غيرك دة قدري .. وانا حاقبلو .. لكن بعاهدك على حاجة لو حيكون فيها عزاء ليك .. مافي أي واحدة تانية حتاخد مكانك طول ما انا عايش .. طالما ربنا اراد اني ما اكون ليك ... ابدا ما حاكون لغيرك .. دة عهد باقطعو ليك وربنا شاهد عليهو ..
    نهضت منال ببطء ونظرت طويلاً اليه .. كان مطرقاً يحاول ان يخفي دموعه التي بدات تسيل رغماً عنه .. احست بقلبها يتفتت .. وضلوعها تطبق على صدرها ... انها اول مرة ترى فيها دموعه .. ولم تحتمل ما تراه .. حاربت اختناق انفاسها لتنطق كلماتها الاخيرة ..
    - حاستناك يا جمال ... حتى لو العمر كلو ...
    عندما تمالك جمال نفسه ورفع راسه .. رآها تبتعد عنه بخطوات مترنحة ... دفن راسه مرة اخرى بين ذراعيه .. واجهش ببكاء مر ...

  6. #21

    الحالة
    غير متصل
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    المشاركات
    38

    افتراضي

    الفصل الحادي والعشرون

    انكسرت حدة الحرارة قليلاً عندما بدأت الشمس تميل نحو المغيب .. تمددت ظلال الاشجار بجمود .. وخلق انعدام الهواء جواً خانقاً .. انه احد ايام الصيف النموذجية .. تعالى صراخ الاطفال وهم يعبثون تحت زخات المياه المتدفقة من ( خرطوش ) البلاستيك الطويل الذي امسكه حامد بين يديه محاولاً ان يدعّي الصرامة مع صغار الحوش المتحلقين حوله كل يحاول التقاط نصيبه من القطرات الباردة .. جلس حامد ود العمدة هادئاً يتامل احفاده بفخر .. واتسعت ابتسامته وباتت اكثر حنواً عندما التقت عيناه بعيني حفيده الذي يحمل اسمه .. كان اول حفيد ذكر في عائلته .. وقد احبه منذ اول لحظة وضعه فيها عمار بين يديه ..
    - امسك حامد الصغير اذن ليهو في اضنينو يا عمي ..
    اغرورقت عيناه عندما فرغ من ترديد الاذان في اذني حفيده ووضع اصبعه داخل الكف الصغير فتحركت الاصابع الطرية بنعومة .. وحبس شهقة دهشة عندما فتح سميه عينان تنافسان عينيه في اللون والشبه ... لقد كان نسخة طبق الاصل من طفله الذي غادر الحياة مبكراً ... وراوده احساس بانه يعيش لحظة مكررة عاشها سابقاً عندما وضعت امونة ابنه بين ذراعيه للمرة الاولى ... احتج على قرار عمار واميرة بتسمية المولود تيمناً به ..
    - يا اولاد اختاروا ليكم اسم تاني ... حامد دة بقى موضة قديمة وبكرة الولد يكبر ويزعل انكم سميتوهو بيهو ...
    - يا ابوي بكرة حامد لمن يكبر حيشكرنا لاننا اديناهو اسمك .. اريتو يطلع بشبهك في حاجاتك كلها مش الاسم وبس ..
    - يا بتي يمكن راجلك عندو راي تاني ولا عاوز يسميهو على ابوهو ..
    - عم حامد .. انا مصّر اكتر من اميرة انو الولد يشيل اسمك .. كفاية انو وقفتك معانا هي كانت سبب جيتو للدنيا ..
    حمل حامد اسم جده وملامحه .. وبرغم امتلاء المنزل بالاحفاد على مر السنين .. الا ان سميه ظل المفضل عنده ..
    تشربت الارض العطشى بالرزاز المتساقط عليها بامتنان وتنفست ارتوائها فعبق الجو برائحة التراب المبلل التي اختطلت برائحة شباك الصيد والسمك والرطوبة القادمة من النيل ...
    - حامد .. خلاص كفاية رش .. امشي لحبوبة نعمات خليها تجيب الشاي وشوف ابوك وين عشان يجي يشرب معاي ..
    امتثل ابن العاشرة لاوامر جده بطاعة فاغلق صنبور المياه باحكام دون ان يبالي بصيحات خيبة الامل الصادرة من جيش الاطفال المحتج على انقطاع مصدر لهوه ... كان حامد يراقب احفاده بنوع من الرضا الممزوج بحزن غامض اصبح جزء منه .. لقد اكسبته الحياة كثير من الخبرات .. وعلمته كيفية التصالح مع كل شئ فيها فتجاوز مشاعر الندم والخوف والالم .. لكنه لم يستطع ابداً تجاوز الحزن المزروع بداخله كنبتة لعينة كلما حاول اقتلاعها ناورته وثبتت جذورها اكثر في اعماقه كان احيانا يحاول فلسفة اسباب احساسه والتعامل معه كناتج طبيعي لاحداث حياته الطويلة التي توقف عن عدّ سنواتها منذ وفاة السرة قبل احدى عشرة عاماً ... لقد ادهشه الترنح والضياع الذي انتأبه بعد رحيلها .. احس كانه فقد هويته وجزء من ذاكرته التي كانت تعيش بداخلها .. ثم اكتشف ان غيابها قد فصم كل عرى التواصل بينه وبين ماضيه .. فقد كانت السرة حاضرة بقوة منذ طفولته وصباه حتى تجارب نضجه المؤلمة .. ووجودها في حياته كان الجسر الذي يربط بينه وبين ذلك الماضي البعيد .. بعد رحيلها ضعفت علاقته بمن تبقى من اهله في القرية الى حد كبير ... لدرجة انه لم يطا ارضها منذ خمس سنوات كاملة ... كانت آخر زيارة قام بها بعد وفاة هادية ... ابنته الصغيرة التي رحلت بعد معاناة قاسية مع جملة من الامراض استسلم الطب امام جبروتها فغادرت مخلفة وراءها جرحاً غائراً في قلب نعمات .. واحساس دائم بالذنب في قلبه جعله يعاني من الكوابيس لدرجة بات يخاف النوم حتى لا ياتيه طيفها الغاضب بنظراته اللائمة المتهمة ويجعله يهب مفزوعاً ليذهب الى قبرها ويجلس ساعات طويلة يقرأ لها القرآن ويطالبها بالسماح على اهماله غير المتعمد اثناء حياتها ... ويبكي ..
    - الشاي يا حاج حامد ...
    رفع راسه ونظر الى نعمات بابتسامة لا تشي بشئ مما يدور في أعماقه .. بادلته الابتسام بملامح نقية زادها وضوحاً الطرحة البيضاء التي تلتف بوقار حول وجهها الاسمر .. كانت تبدو اصغر من عمرها الحقيقي ويشع من ملامحها سلام غامض .. لقد كادت وفاة هادية ان تذهب بعقلها .. واصبح حزنها على ابنتها حديث المجتمع .. اعتزلت الناس و لبست السواد من راسها حتى قدميها ...امتنعت عن ارتداء الاحذية وصارت تتجول حافية حتى لو اجبرتها الظروف على الخروج من منزلها الذي اصبح سجنها الاختياري .. تحول شعرها الفاحم الى كتلة بيضاء ولم تنقطع دموعها لشهور .. كان يقف عاجزا امام احزانها ويكبله احساسه بالتقصير .. لم يكن يدري ماذا يفعل حتى اتاه شقيقها المهموم باحوالها ..
    - انت يا حامد ما شايف عمايل نعمات دي ؟؟ ياخي البتسوي فيهو دة كفر عديل والعياذ بالله .. اتكلم معاها .. خليها على الاقل تلبس ليها حاجة في رجلينها لمن تجي طالعة .. ياخي الناس اكلت لحمنا بتصرفاتها دي ..
    - والله اتكلمت معاها لمن لساني نشف .. والناس كلها اتكلمت معاها بدون فايدة .. انا خلاص بقيت ما عارف اعمل ليها شنو ...
    - وديها الحج .. هي اصلا ما حجت قبل قبل كدة .. واهو الموسم باقي ليهو اقل من شهر وديها يمكن زيارة بيت الله تخليها تتصبر شوية ..
    عادت نعمات بعد اداء فريضة الحج وقد بدت شبيهة بتلك المراة التي كانتها منذ زمن بعيد .. لم يعد احد يلاحظ حزنها الا بالتمعن في عينيها الواسعتين أو عندما تتلبسها حالات شرودها المفاجئ ...
    - اقعدي يا نعمات اشربي معاي الشاي .. وين عمار ؟؟ ..
    - جاي .. بس مستني اميرة تطلع من الحمام عشان تمسك البت ..
    - طيب كبي خلينا نشرب وهو يجي براحته ...
    جلسا يحتسيان الشاي في صمت .. لم يعودا بحاجة الى الكثير من الكلمات .. لقد اصبحت حياتهما هادئة وتسير بنعومة .. اصبحا كصديقين تشاركا الكثير من تجارب الحياة السعيدة والتعيسة فربطت بينهما الفة واحتياج للرفقة دون غيرها من الاشياء .. لقد عاد الى بيتها بعد وفاة السرة .. احس بوحدة غريبة اخافته وجعلته يلتمس وجودها .. لم يتشاركا السرير .. فهو لم يكن بحاجة الى علاقة جسدية حميمة بقدر احتياجه لوجود كائن حي يتنفس قربه ويشعره بالحياة .. واكتفت هي بهذه الرفقة المنقوصة ولم تطالبه بالمزيد .. فمجرد وجوده قريبا منها الى هذا الحد حلم بعيد المنال تحقق بعد طول انتظار .. كانت نعمات تحمل كوبها بيد وترشف منه على مهل .. بينما انشغلت يدها الاخرى بعد حبات مسبحتها الصغيرة التي لم تفارقها منذ عودتها من الحج .. سرحت في اصوات الاطفال اللاهين في عالمهم .. كانو مختلفي السحنات والاعمار تجمعهم الشقاوة والعبث الطفولي .. ابتسمت لرؤية ولدي اميرة وابنة نادية التي ستبلغ الرابعة بعد ايام ... غامت افكارها عندما تذكرت تلك السنوات العجاف التي ناصبتها فيها ابنتها العداء .. كانت تتعمد تعذيبها برفضها الزواج والعمر يتقدم بها وفتيات الحوش يتزوجن واحدة تلو الاخرى ... كانت ترفض بلا ترو او نقاش .. فاندهش حامد من عناد ابنته الغريب والح على نعمات في السؤال لمعرفة الاسباب .. اخبرته باختصار شديد عن رفضها للعلاقة بين ابنتها وزميلها .. ذكرت الاسباب دون ان تخوض في التفاصيل .. يومها هنأها حامد على حكمتها في معالجة الامر دون ان يدرك سر الابتسامة الساخرة المتالمة التي ارتسمت على شفتيها .. لقد كان مرض هادية هو المعول الذي هدم جدار الصخر بينهما .. ففي احدى الصباحات الخريفية اتجهت نعمات الى غرفة ابنتها الصغرى لتزورها كما تفعل كل يوم بعد ان رفضت الخروج منها الا لشن غارة على المطبخ والتهام كل ما يقع تحت يدها من طعام .. اصبحت تصاب بنوبات هياج هستيرية اذا ما حاول احدهم منعها .. فوقفوا جميعاً يراقبون بالم جسدها وهو يتحول الى كتل شحمية قبيحة زادت من كآبتها وانعزالها .. وشراهتها ..
    عندما فتحت الباب بعد طرقات خفيفة .. فوجئت بجسد هادية الضخم مسجي ارضاً ويسد الطريق .. كانت ساكنة الحركة ومن بين شفتيها المنفرجتين يخرج صفير متقطع بينما ابتل قمصيها القطني الفضفاض بالعرق .. اندفعت نادية الى الغرفة مذعورة اثر صرخات نعمات التى عكرت صفو الصباح .. تسمرت عندما رات منظر شقيقتها .. ثم بدات تشارك امها بالصراخ ...
    اثناء ساعات الانتظار الطويلة خارج غرفة العناية المكثفة بدات رحلة ذوبان الجليد بين نعمات المنهارة ونادية الخائفة .. لقد تشبثت كل منهما بالاخرى في يأس .. واصبحت نادية تهتم بمواعيد ادوية والدتها .. وتجبرها على تناول الطعام .. تصر على عودتها للمنزل حتى تنال قسطاً من الراحة بينما تتبادل هي واميرة البقاء بجانب هادية الغائبة عن الوعي .. احست نعمات بالسعادة والامتنان لابنتها عندما دافعت عنها باستماتة وتصدت للطبيبة الغاضبة التي وقفت تصرخ في وجهها بعنف ..
    - كيف تخلي بت في السن دة توصل لوزن مخيف زي دة ؟؟ كنتي وين من يوم ما بدا وزنها يزيد ؟؟ انتي ما عايشة معاها في نفس البيت ؟؟ ما كنت بتشوفيها لمن تاكل ؟؟ تاكدي انو الوضع الفيهو بتك دة حصل نتيجة لاهمالك .. دي لسة طفلة ... كيف تدخل في غيبوبة سكري ويكون ضغطها في السما ويجيها ضعف في عضلات القلب وقصور في الكلى والكبد ؟؟!! حتى لو حصلت معجزة وقدرنا نعالج ديل كلهم حيكون نظرها خلاص انتهى وحتعمى لانو ارتفاع السكري الشديد فجر كل الاوعية الدموية في عيونها ..
    عندما رات نادية شحوب وجه نعمات الغارق في الدموع امام الهجوم العنيف .. وقفت في وجه الطبيبة وحالت بينها وبين امها ..
    - اسمعي هنا .. انتي منو الاداك الحق تتكلمي مع امي بالصورة دي ؟؟ تفتكري يعني كان عاجبها تشوف بتها بتوصل لمرحلة زي دي وهي ما قادرة تعمل ليها حاجة ؟؟ انتي ما عارفة الظروف الاحنا عايشنها يبقى اوعك تحكمي عليها ولا علينا .. ولازم تفهمي انو البتتكلمي معاها دي ام .. عارفة يعني شنو ام ؟؟!! .. يعني سعادة عيالها اهم شئ في حياتها .. خلي جاية انتي بكل عجرفة وغرور تتهميها بالاهمال ؟؟ انتي دكتورة شنو انتي ؟؟ كيف تتعاملي مع اهل مريضة عندك بالصورة دي ؟؟ ياخي انعل ابو دكترتك العاوزة تذلي بيها خلق الله دي .. ويكون في معلومك امي دي عيانة ولو حصل ليها أي حاجة بسبب كلامك دة انا حاحملك المسئولية كاملة .
    اشعرها دفاع ابنتها بالدفء وخفف عنها مرارة الحزن الكثيف الذي تعيشه .. قدمت نادية شكوى بحق الطبيبة وطالبت ادارة المستشفى بتغييرها .. كان البديل شاب خلوق .. صبور ومتفهم .. تفاني في رعاية هادية واصبح يقضي كل اوقات فراغه بجانبها .. وعندما اعلن وفاتها بعد شهر من وجودها بالمستشفى .. احتضن نعمات المفجوعة واجهش بالبكاء .. وظل مواظباً على الحضور طيلة ايام العزاء ومتابعاً لوضع نعمات الحرج التي ارتفع ضغط دمها بشكل استدعى ادخلها المستشفى والبقاء فيها لفترة طويلة .. وخلال ملازمة نادية لها نشأ ود خجول بينها وبين الدكتور ( نادر ) تنامى بهدوء بعد ان اصرت نعمات على ان يصبح هو طبيبها المعالج ... ولم تتفاجأ حين لمح لها برغبته في الزواج من ابنتها الجميلة التي وضعت في خانة عوانس الحوش منذ زمن بعيد .. تخوفت نعمات من رفضها المعتاد برغم احساسها بوجود قبول متردد منها ارادت ان تغذيه فخاطبتها بضراعة ...
    - نادية يا بتي .. الله يرضى عليك ما ترفضي دكتور نادر .. الولد ممتاز وما فيهو عيب وعاوزك من قلبو لربو .. وانا قلبي بقول لي إنو انتي كمان بتميلي ليهو .. ادي نفسك فرصة وفكري كويس .. انتي ما بقيتي صغيرة .. وانا ابوك كبرنا وما حندوم ليك للابد لازم تعرسي وتجيبي ليك جنا يسندك في كبرك وعياك .. هسة لو ما انتي واختك منو الكان حيتجبر علي ولا يخدمني لمن عييت ورقدت ؟؟!! يا نادية لازم تنسي كل الحصل زمان وتبدي تعيشي حياتك من جديد ...
    رمقتها ابنتها بنظرة خالية من اللوم والعتاب والحقد الذي سكن عينيها طيلة السنوات الماضية ...
    - انا ممكن اوافق على دكتور نادر .. لكن بشرط ..
    تلقفت الام الملهوفة الكلمات بفرح ...
    - انا متاكدة انو حيوافق على كل شروطك .. بس ما تطلبي منو حاجات فوق طاقتو .. في النهاية دة موظف في بداية حياتو ودخلو محدود .. يا نادية ابوك منتظر عرسك دة من سنين .. وحيعمل ليك أي حاجة انتي عاوزاها ..
    وهبطت كلماتها اللاحقة كلطمة في وجه نعمات ...
    - شرطي اني احكي لنادر عن قصتي مع زاهر من اولها لاخرها .. اذا وافق بعد داك يعرسني حاقبل بيهو ...
    دلت شهقة نعمات التي اعقبها صمت تام على صدمتها من كلمات ابنتها .. وعندما تمالكت نفسها خرج صوتها محبطاً باكياً ...
    - يا بت انتي جنيتي ولا شنو ؟؟!! حرام عليك البتعمليو فينا دة ؟؟ عاوزة تفضحي روحك وتفضحينا معاك ؟؟ ليه ؟؟ عشان شنو ؟؟ ما تخلي الموضوع يمشي وعفا الله عما سلف ... أنسي ماضيك دة كلو بخيرو وشرو .. اعتبريهو كأنو ما حصل ... انا عملت العملتو زمان داك عشان لحظة زي دي ... ما تخافي ما حيعرف .. واذا ربنا سترك ما تفضحي روحك ... اسمعي كلامي .. انا امك .. عشت اكتر منك وبعرف اكتر منك نادر صحي دكتور ومتعلم ومثقف .. لكن في النهاية راجل .. راجل شرقي ... وسوداني .. وحاجة زي دي مستحيل يقدر يتجاوزها .. حتى لو قبلها هسة عشان بحبك وعاوز يرتبط بيك باي شكل ... لكن بكرة بتدخلوا في تفاصيل الحياة الزوجية بكل مشاكلها وروتينها ومللها واحباطاتها ... وفي اول ملف حيذكرك بالكلام دة لانو حيكون قاعد جواهو زي السوسة بينخر في عقلو ...
    - امي .. دة شرطي الوحيد وما حتنازل عنو .. انا ما عاوزة ابدا حياتي مع نادر بكذبة كبيرة وامشي ليهو كاني بت لا عرفت ولا شفت .. نادر من حقو يعرف اني عشت تجربة زواج بكل تفاصيلها .. بما فيها الحمل والاجهاض ... بعد كدة هو يختار .. لو قبل بظروفي دي تاني ماحيقدر يقول اي حاجة ... اذا رضيتي أكلمو خير وبركة نمشي في الموضوع ونشوف حيوصل وين .. واذا ابيتي .. اعتذري ليهو طوالي وقولي اني رافضة اعرس ..
    - يا نادية انتي لو كنتي معرسة بطريقة رسمية واتطلقتي ولا حتى راجلك مات ما كان حيكون فيها حاجة .. لكن ..
    - دة شرطي .. موافقة ولا لا ؟؟
    تم الزواج في حفل هادئ بسيط .. وخيب نادر كل توقعات نعمات المتشائمة .. كانت علاقته بنادية تزداد توهجاً بمرور السنوات .. وعبر عن حبه لزوجته وطفليه بانصهاره التام في عائلة ود العمدة الكبيرة ...
    - معليش يا جماعة .. اتاخرت عليكم .. اميرة الظاهر عليها نامت جوة الحمام ونستنا انا والبت برة ..
    سحب عمار كرسيه وجلس بين والدي زوجته وتناول كوب الشاي من يد نعمات شاكراً ...
    - يا عم حامد لي كم يوم عاوز اسالك عن ابراهيم .. اخبارو شنو ؟؟ .. كنت ناوي امشي ازورو لكن ما لاقي زمن .. وكمان اميرة قالت لي انو ما راضي يقابل زول ...
    اكفهرت ملامح حامد عندما سمع اسم ابن اخيه .. وعبرت وجهه سحابات الالم والغيظ المخلوط بالغضب .. لقد اعجزه هذا الولد الفاسد بعد ان فعل كل ما يستطيعه لتغطية افعاله الشائنة .. لم يعد بوسعه فعل شئ آخر غير امنية سرية كان يخجل ان يجاهر بها حتى لنفسه .. كان يتمنى له الموت ... وكان يبرر امنيته بان موته سيكون ستراً لهذه العائلة بعد ان اصبح فجوره العلني فضيحة تتبع اسمها كلما ذكر .. كان يتنسم اخباره عن بٌعد منذ ان طرده من المنزل قبل عام تقريباً عندما اتته حبيبة شاكية باكية للمرة الاولى منذ زواجها .. تكلمت بعد ان تعداها الاذى وطال صغرى بناتها .. الوحيدة التي ظلت في المنزل بعد زواج اختيها وانتقالهما للسكنى بعيدا عنهم ...
    - يا عم حامد انت عارفني عمري ما إشتكيت من عمايل ابراهيم وتصرفاته .. وصبرت عليهو صبر ايوب .. لكن لمن جات على بتي ما قدرت اسكت .. ما عارفة الحصل ليهو شنو !! الظاهر البلاوي الكتيرة البيشربها دي خلاص طلعت في راسو وجننتو .. بقى خاتي نقرو من نقر البت ومكرهها عيشتها .. يجي وش الصباح مسجم ومرمد يصحيها من النوم ويقعد ينق في راسها لمن تجي مواعيد مدرستها .. المسكينة بالعافية تجري تلحق البص .. حاميها القراية وعامل ليها رعب .. بيضربها باي حاجة تجي تحت يدو .. امبارح فك فيها كباية الشاي ولو ما ربنا ستر كان فتحت راسها .. يا تشوف ليك معاهو حل يا عم حامد .. ولا انا اخلي البيت و اسوق بتي امشي اقعد في أي مكان ..
    عندما فتح حامد باب منزل ابراهيم بعنف ارتج له الجدار .. وجده جالساً وسط سحابة من الدخان الازرق .. يدندن بلحن مبهم وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة بلهاء ..كانت تفوح منه رائحة عرق نتن اختلطت بابخرة فمه التي تزفرها انفاسه فأصبح جو المكان خانقاً ومقززاً ...
    - دة شنو دة يا ولد الانت بتعمل فيهو دة ؟؟!! .. بلاهي ما خجلان من روحك .. ياخي انت بناتك عرسو وولدو وبقيت جد .. حتوعى متين ؟؟ حتبطل الوسخ البتعمل فيهو دة متين ؟؟!! حتنضف متين ؟؟!! قوم حيلك اطفي الزفت الفي ايدك وغسل وشك ولا استحمى عشان تفوق والواحد يعرف يتكلم معاك ..
    - أنا بكرهك ...
    خرقت الجملة المفاجأة اذني حامد وظل واقفاً فترة طويلة يتامل ملامح ابن اخيه التي تحمل حقداً مخيفاً .. محاولاً استيعاب ما سمعه وما يراه ..
    - قلت شنو يا ابراهيم ؟؟!! ...
    - سمعتني كويس يا ود العمدة .. ما تعمل لي فيها رايح .. وكان ما سمعت بقولها ليك تاني .. انا بكرهك .. بكرهك اكتر من أي شئ في الدنيا دي .. اكتر من الموت زاتو..
    - انا ما ححاسبك على كلامك دة هسة لانك ما في وعيك .. لكن لمن تصحصح كويس انا بعرف شغلي معاك ...
    - حتعمل لي شنو يعني ؟؟ ... حتضربني ؟؟!! .. انا بحذرك من هسة لو حاولت تمد ايدك علي تاني بكسرها ليك .. اوعى تكون قايلني لسة الولد الصغير البخاف منك داك ؟؟ ولا يمكن قايلني لسة محتاج ليك ولقروشك ... فوق يا عمو .. فوق وعاين لي وشوفني كويس .. انا كبرت .. كبرت شديد .. وخليت الخوف منك من زمان .. وكان للقروش انا خلاص استغنيت عنك وعن وصايتك .. ورثتي من امي وابوي تعيشني مرتاح لآخر عمري .. يعني بالواضح كدة .. طظ فيك وفي قروشك ..
    - انت ولد قليل ادب وما اتربيت .. ؟؟!! ..
    - في دي كلامك صح .. اول مرة اتفق معاك في كلام تقولو ... انا بالحيل ما اتربيت .. انت قالوا عرست امي عشان تربيني .. لكن عمرك ما ربيتني .. اها اتحمل نتيجة عدم تربيتك لي .. اتحمل فكرة اني بقيت كدة بسببك ..
    - ما تغش على نفسك يا ابراهيم .. انت ما بقيت كدة بسببي ولا بسبب أي زول .. انت بقيت كدة لانك عاوز تبقى كدة .. يعني شوف ليك شماعة غيري علق فيها سبب فشلك .. طول عمرك من ما انت صغير انسان مهزوز .. وكبرت بقيت فضيحة ماشة على رجلين .. كتر خيري الاتحملت بلاويك وقرفك السنين الفاتت دي كلها .. ودة والله ما عشان خاطرك .. عشان خاطر اسم اخوي الانت شايلو وما مشرفو .. اسمعني كويس يا ولد لاني ما حكرر كلامي دة كتير .. لو سمعت بيك تاني مديت يدك على بتك ولا ضايقت حبيبة حوريك الادب الطول عمرك ما شفتو .. فاهم الكلام دة ولا لا ؟؟ ..
    - وانت الدخلك شنو في مرتي وبتي ؟؟ مالك ومالهم ؟؟ عاوز تشاركني فيهم كمان ؟؟ بياتو مناسبة ؟؟ هو انا كنت شاركتك في نسوانك الكنت بتعرس فيهم الصباح الصباح ديل ؟؟ ولا شاركتك في بناتك الفلطتهم زي الارانب ؟؟
    نزلت عصا ود العمدة الغاضبة على راس ابن اخيه وانفجرت الدماء لتملا المكان ... لم يستطع احد اقناع ابراهيم بالتنازل عن بلاغ اتهامه لعمه بضربه الا ( بله) الذي اتى من القرية مسرعاً استجابة لاستغاثة نعمات ... عندما خرج ابراهيم من المستشفى رفض حامد عودته الى المنزل ...
    - ما عاوزو في بيتي .. يمشي يشوف ليهو أي مكان تاني يلم فيهو حقدو وكراهيتو ووساختو ...
    - برضو طظ فيك وفي بيتك .. انا من يوم ما عرست كنت عاوز اغور من خلقتك دي وانت الابيت واصريت على قعادي عندك .. وهسة حسوق مرتي وبتي واتخارج منك...
    - ما عندك عندي مرا ولا بت .. اطلع براك .. انشاء الله تسكن جوة براميل الخمرة وتتسطل الليل والنهار .. انت حر في روحك .. لكن حبيبة وبتها مسئوليتي .. وما بخليك تسوقهم عشان تبهدلهم معاك ..
    - طيب يا حامي حمى البشرية .. خليتهم ليك .. مش عشان انت قلت كدة .. لا .. عشان انا زاتي ما عاوزهم .. لكن في يوم من الايام لو جاني مزاج اسوقهم .. بسوقهم .. برضاك ولا غصباً عنك .. بالبوليس .. بالمحكمة .. باي وسيلة تريحني وتتعبك ..
    خلال الشهور الاولى لاختفائه لم يهتم حامد بمعرفة مكانه .. ثم بدأ يبحث عنه تحت ضغط ( بله ) المهموم باحوال ابن اخيه .. اتاه مرساله مطرقاً خجلاً وهو يخبره عن ما توصل اليه ..
    - أجر ليهو شقة في المهندسين وعايش ببذخ شديد .. سايق عربيتو الليل والنهار وحايم في حتت معينة يلقط الاولاد الصغار ويوديهم بيته .. الجيران بدوا يشتكوا من نوعية الناس البيجوهو وشكلهم .. وسمعت تحت تحت كدة انو البوليس خاتي عينو عليهو ومراقب كل تحركاتو ...
    عندما سمع نبأ القبض عليه متلبساً في احد البيوت المشبوهة .. استخدم حامد كل علاقاته ونفوذه لمنع نشر الخبر .. ارسل المع المحامين لمقابلة ابراهيم الذي رفض ببرود أي مساعدة من عمه .. واعترف بكل التهم التي نسبت اليه .. عند اعلان الحكم بسجنه .. اهتزت قاعة المحكمة بضحكاته المدوية التي افزعت الجميع وشككتهم في سلامة قواه العقلية ...كانت جلسة اعلان الحكم آخر مرة رآه فيها أي من افراد اسرته بعد ان رفض استقبالهم عندما ذهبوا لزيارته في سجنه ...
    - ما عندي أي اخبار عنو يا عمار .. لسة رافض الزيارة او أي محاولة تواصل معاهو...
    نطق كلماته وهب مستئذناً على عجل .. بدت خطواته اكثر بطئاً وتعباً من ذي قبل .. فاحس عمار بالندم على سؤاله الذي نكأ جرح والد زوجته بدون قصد منه .. وقف ليلحق به ... فثبتته يد نعمات في جلسته وهي تتابع زوجها بنظرات مشفقة ومتفهمة ...
    - خليهو هسة يا عمار .. اصلا سيرة ابراهيم دائما بتنرفزو .. لكن بعد شوية بروق وبرجع عادي ...
    كاد حامد في اندفاعه البطئ ان يصطدم بمنال التي خرجت فجأة من الباب الداخلي للمنزل وهي تحمل حقيبتها الطبية ..
    - بسم الله .. مالك يا منال مستعجلة قدر دة ...ماشة وين ؟؟
    - معليش يا ابوي ما كنت منتبهة .. مواعيد حقنة خالتي رجاء جات وماشة اديها ليها ..
    - رجاء عندها بدل الدكتور اتنين في البيت وتمشي انتي تديها الحقنة ؟؟!! ...
    - قالت جمال وجاكلين ايدهم حارة ولمن يدوها الحقنة بتفضل واجعاها فترة طويلة .. لكن انا يدي باردة وما بتحس بيها ..
    - رجاء دي بتتدلع ساكت ... يلا انا حامشي معاك .. لي زمن ما شفتها ..
    دخلت منال بضجيجها المعتاد وهي تناوش جانيت ابنة جاكلين كعادتها .. حملتها بين ذراعيها رفعتها عالياً وهي تدغدغها وتتجاوب مع صرخاتها الطفولية العابثة ..
    - هوي يا منال .. نزلي بتي دي في الارض ما توقعيها لي .. دي الحيلة يختي وما عندي غيرها .. اتاخرتي مالك ؟؟ ماما هوستني بالسؤال عنك .. وكالمعتاد ما رضت تخليني انا ولا جمال نديها الحقنة ..
    - ليها حق ما تخليكم لانكم انتو الاتنين ايدينكم عاملة زي قوالب الطوب .. وانا ايدي خفيفة زي الريشة .. هو أي زول اتخرج من طب بينفع يكون دكتور ؟؟ يا فالحة الدكترة دي خشم بيوت..
    تعالى صوت رجاء الزاجر من داخل غرفتها ...
    - يا بنات بطلوا نقار مواعيد الحقنة فاتت .. يلا يا منال خلصيني ..
    - جاية يا خالتي رجاء .. ومعاي ابوي حامد عاوز يسلم عليك ..
    كان جمال قد خرج من غرفته ملهوفاً عندما سمع صوت منال .. ثم توقف اندفاعه لمراى ود العمدة برفقتها ..
    - عم حامد .. اهلاً وسهلاً .. اتفضل اتفضل .. واقف برة ليه ؟؟
    كانت العلاقة بين الاسرتين قد اذدادت رسوخاً بمرور السنوات وتقاسم ملمات الحياة .. بعد مقتل جانيت المأساوي احس حامد بمسؤليته تتعاظم تجاه الاسرة الصغيرة الغارقة في الحزن .. فاصبح هو وجميع اهل الحوش متواجدين بصفة دائمة لمؤازرة رجاء المنهارة حتى تلاشت كل الحواجز بين البيتين ... جلس حامد في الكرسي الملاصق لسرير رجاء وهو يخاطبها بحنو ابوي ..
    - والله يا رجاء انتي بتتدلعي .. يا ولية قومي وشدي حيلك شوية .. انتي كويسة وما عندك عوجة .. مالك عاوزة تشفقينا عليك ؟؟ ولا بتعملي كدة عشان اولادك يقعدوا جنبك اليوم كلو ؟؟
    منحته رجاء احدى ضحكاتها التي اصبحت نادرة ومتباعدة ..
    - والله يا عم حامد لا عاوزاهم يقعدوا معاي ولا حاجة .. حتى اسال جاكلين .. البت دي يوميا انا بطردها عشان تمشي بيتها .. وحياة العدرا بقيت خجلانة من راجلها .. البت بتقعد عندي اكتر مما بتقعد عندو ..
    - يا ماما يا حبيبتي ناصر عارف انك روحي ونفسّي .. واني مستحيل اقعد يوم واحد من غير ما اشوفك .. وبعدين هو ما يقدر يقول ولا كلمة .. مش كفاية انك بتعبك دة ومصرة تمكسي ليهو بتو وابيتي تخلينا نجيب ليك شغالة تساعدك ؟؟ وعلى فكرة يا جدو حامد ناصر زاتو بقى ينافسني في حب ماما لمن انا مرات بغير منو ..
    رمقتها رجاء بحنان وهي تحتضن حفيدتها التي تسللت وتكورت في مكانها المفضل على صدر جدتها ووضعت ابهامها داخل فمها وهي تنظر الى الجميع ببراءة ..
    - شغالة شنو الانا باخليها تعمل حاجة لجونا ؟؟!! دة انا لو بزحف على ايديني ورجليني برضو بسوي كل حاجاتها براي ... دي الغالية المخلياني احس انو الدنيا دي فيها حاجة تستاهل يعيشوا ليها ...
    اشتكى جمال ضاحكاً ..
    - شايف يا جدو حامد ماما بتقول شنو ؟؟ .. يعني احنا كلنا ما بنستحق تعيش عشانا .. وبسبب المفعوصة دي كلنا اترمينا في الرف ..
    - يا ولد اعز من الولد ولد الولد .. وانت بس ريحني وعرس شوف انا عيالك حعمل ليهم شنو .. اها يا عم حامد طالما الموضوع انفتح خليني النشتكي ليك من جمال دة ... الولد كاسر قلبي بعدم عرسو .. ما عرفنا هو عاوز شنو .. جبنا ليهو بنات اشكال والوان .. اصل وفصل وتدين وتعليم .. وبرضو رافض .. عليك الله اتكلم معاهو .. انا عاوزة اشوف عيالو قبل ما اموت ...
    - بعد الشر عليك يا ماما .. وبطلي حركات المسلسلات المصرية دي ... تموتي كيف يعني ؟؟ وتخلي التعب والشقاوة لمنو ؟؟ يا ماما انتي ملك الموت زاتو بيلاوز منك ويقول الزولة دي بتحب التعب عشان كدة خلوها عايشة مافي داعي نريحها .. يا ست الكل انشاء الله انا قبلك .. وتعيشي لمن تخرفي وتجننينا بخرفك .. واضح انو خرفك حيكون صعب خلاص ..
    - بعد الشر عليك يا ولدي انتو لسة العمر قدامكم .. لكن احنا خلاص حناخد زمننا وزمن غيرنا ؟؟ يلا حسن الختام ..
    - في شنو يا ماما وجمال ؟؟ مالكم قلبتوها غم كدة ؟؟ .. خلونا من سيرة الموت دي عليكم الله واتكلموا في أي حاجة تانية ..
    عبرت وجه جمال سحابة قاتمة .. وظهرت لمعة غامضة في عينيه التي تفادت النظر الى جميع الموجودين بالغرفة .. وخرج صوته مبحوحاً ..
    - ماما انتي مش مؤمنة ؟؟ مش عارفة انو الزواج قسمة ونصيب ؟؟ .. لازم تعرفي اني ما رافض الزواج في حد زاتو .. انا بس منتظر ربنا يقسم لي نصيبي ..
    خيمت لحظة صمت كثيف على الغرفة بعد الكلمات الحارة التي كان لها وقع مختلف على كل شخص اطرقت منال بحزن وهي تقاوم الدموع التي تجمعت في عينيها وهددت بفضحها .. طرفت عدة مرات .. اعطت ظهرها للجميع وهي تتظاهر بتعبئة الحقنة .. فمنذ ذلك اللقاء العاصف الذي جمعهما ليخبرها جمال برغبته في انهاء ما بينهما .. تغيرت علاقتهما بصورة كبيرة .. واصبحت مشاعرهما اعمق وانضج واشد قوة مما كانت .. وبعد ان تخطى جمال محاولات تفاديها والابتعاد عنها واستسلم لاحتياجه الشديد لوجودها في حياته .. أبرما اتفاقاً صامتاً بترك الامور تسير كما قدر لها دون أي محاولة لدفعها في اتجاه آخر .. التزم جمال بعهده لها .. لم تكن هناك اخرى في حياته غيرها .. برغم وسامته التي عززتها سمعته كطبيب تخصص في مجال جراحي نادر وصعب وجعلت الفتيات ينجذبن اليه ويتحلقن حوله اينما سار .. وبرغم تحسن اوضاعه المادية بشكل ملفت جعله حلم الكثيرات .. الا ان منال ظلت هي حلمه الاوحد ..
    كان يحس بالالم والفرح معاً عندما يتناهى الى سمعه رفضها للعرسان الواحد تلو الآخر .. لم تكن تخبره ... لكن جاكلين المهمومة بعدم زواج صديقتها كانت تاتي وتحكي لامها عن عناد منال الغير مبرر ورفضها القاطع برغم كل الضغوط التي تمارس عليها .. في احدى المرات كان العريس شاب يحمل كل صفات فى الاحلام لاي فتاة .. فاحس بذنب قاتل يتاكله .. حاول مناقشتها واقناعها بالموافقة ..
    - منال ... عاوز اطلب منك طلب بس اوعديني ما ترديني فيهو ..
    - طلب ؟؟!! .. انت تامرني يا جمال وانا اطيع .. قول عاوز شنو ؟؟ ..
    - ارجوك .. ارجوك يا منال وافقي على الزول المتقدم ليك دة .. اتزوجي وعيشي حياتك .. العمر بيجري .. وانا خايف عليك .. وحاسي بالذنب لاني معلقك معاي في وضع ما عارف نهايته شنو .. انتي بتستاهلي تتزوجي احسن انسان في الدنيا دي .. وتجيبي احلى عيال ... تستاهلي تعيشي سعيدة .. منال انتظارك لي ما منطقي وما فيهو شئ من العقل .. حتنتظريني لمتين ؟؟!! .. اذا انا زاتي ما عارف انا منتظر شنو ..
    قاطعته بلهجة غاضبة .. حاسمة ..
    - اسمع يا جمال .. كلمة قلتها ليك من زمان .. حستناك ولو العمر كلو .. يعني يا اعرسك انت ولا بلاش .. انا يا جمال ما محتاجة مجرد راجل اشاركو السرير ويصرف علي ويبقى اسمي مقرون باسمو .. انا بالذات بعد تجربة امي وابوي مصرة اني ما اتزوج تحصيل حاصل .. لازم زاوجي يكون تتويج لاحساس جواي ... لانو الزواج في حد زاتو ما هدف بالنسبة لي .. الزواج مجرد وسيلة تحقق لي رغبتي في الانتماء لانسان محدد انا بحبو وعاوزة ابقى جزء منو اشيل اسمو واربي عيالو .. فهمت ولا اشرح زيادة ؟؟ ..
    بعد هذا النقاش احبها اكثر .. احترمها اكثر .. وتمناها اكثر .. ولم يفاتحها مرة اخرى في امر زواجها بآخر ...
    قطع صوت جاكلين المرح حبل الصمت المشحون ..
    - انتو ليه شانين حملة على جمال براهو ؟؟!! .. ما عندكم مثال تاني .. الدكتورة منال العاوزة تبقى راهبة .. ونست زمان لمن بتتشاكل معاي عن موضوع دخول البنات الدير وفكرة الترهبن في الدين المسيحي .. كانت بتقول لي لا رهبانية في الاسلام .. اها هسة هي بقت راهبة مسلمة ..
    تحولت الانظار الى منال التي فرغت للتو من سحب الحقنة من ذراع رجاء .. رفعت راسها اليهم وابتسمت باطمئنان ..
    - انا تقريباً عندي نفس فكرة جمال عن الزواج .. انو قسمة ونصيب .. قدر مكتوب ومسطر من قبل ما نتولد .. حاجة ما بتحصل الا لمن ربنا ياذن .. وفي لحظة ما بعلمها الا هو سبحانه .. وما تمشوا بعيد .. اقرب مثال نادية بت أمي نعمات .. قعدت بالسنين ترفض العرسان .. ولمن جا الدكتور نادر .. ما فتحت خشمها وطوالي وافقت برغم انو ما كان احسن زول اتقدم ليها .. طيب وافقت ليه ؟؟!! لانو المسالة ما بتخضع لاحسن واكعب .. المسالة انو ربنا لمن يقول ليها كوني بتكون .. انا ما رافضة اتزوج انا بس منتظرة اللحظة البيقول فيها ربنا كوني .. وصدقوني وقتها داك ما حقدر اقول لا ولا أي زول تاني حيقولها ... مهما كان الشخص المتقدم لي ..
    علت وجه جمال ابتسامة فخورة تبعها تعبير ناعم سرعان ما اختفى .. لكنه لم يفت عيني ود العمدة البارعتين في التقاط التفاصيل .. قطب حاجبيه بعد ان بدات فكرة غامضة تتشكل في عقله ... نقل نظراته ما بين حفيدته الحالمة .. وجمال الهادئ .. ضربه الادارك كالبرق .. واحرق روحه الكهلة .. بدات جملة مخيفة تتردد في عقله ... واستمرت بالحاح مقيت حتى اوى الى سريره ليلاً..
    - جمال ومنال ؟؟!! معقولة ؟؟!! ... مستحيل ..
    اغمض عينيه وهز راسه حتى ينفض عنه الفكرة ... تواترت الى ذاكرته المتعبة احداث متفرقة لم تكن تعنى شيئا ساعة حدوثها .. لكن تبعاً لادراكه الجديد اصبح لها معنى مختلف ... بدات التفاصيل تتجمع مع بعضها كقطع الاحجية المثتناثرة .. واصبح السؤال يدوي في عقله كقرع الطبول ..
    - جمال ومنال ؟؟!! معقولة ؟؟!! ... مستحيل ..

  7. #22

    الحالة
    غير متصل
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    المشاركات
    38
    الفصل الثاني والعشرون


    عزلت رحمة نفسها في غرفة نومها وهي تتلهف لقراءة خطاب شقيقتها منذ ان سلمه اياها محمود ظهراً عند عودته من العمل .. وضعته في جيب قميصها وظلت تتحسسه كل دقيقة للتاكد من وجوده في مكانه .. كان صبرها يقل كل ما بدات في مهمة جديدة من مهامها المنزلية ..اخيراً وعندما تفرغت تماماً تربعت في منتصف سريرها وحملت الظرف الازرق ضمته الى صدرها واستنشقت رائحته بشوق ... لقد اعتادت منال ان تضع لها بضع قطرات من عطرها المفضل داخل كل رسالة فترسل لها لمحة منها يبقى عبيرها لفترة طويلة .. بدأت القراءة الاولى التي كانت تتبعها عادة قراءت اخرى حتى تكاد تحفظ مواقع النقاط والفواصل المكتوبة بخط منال المنظم الانيق ...
    ستوكهلم 12 سبتمبر ...

    اختي الحبيبة رحمة .. قبل أي شئ خليني اقول ليك كل سنة وانتي طيبة .. وعقبال مية سنة من العمر المليان صحة وعافية يا رب ... اتمنى جوابي دة يوصلك في نفس يوم عيد ميلادك .. ما تخافي طبعا حاضرب ليك تلفون لاني مشتاقة لصوتك وصوت العيال .. لكن رسلت ليك الجواب عشان عارفة هوسك في الاحتفاظ بجواباتي ...
    ابتسمت رحمة وهي تسترق نظرة خاطفة الى الصندوق الخشبي الصغير المطعم بالصدف وهو يحتل مكانه الاثير بجانب سريرها ... كانت تحتفظ فيه بكل رسائل منال التي بدات ترسلها لها بعد مغادرتها البلاد منذ اربع سنوات لم تعد فيها الا مرة واحدة عند وفاة جدهم حامد ود العمدة الذي رحل بهدؤ اثناء نومه وعلى وجهه شبح ابتسامة غامضة .. لم تستطع اللحاق بمراسم الدفن التي تمت في القرية حيث دفن في قبر ملاصق لقبر زوجته الاخيرة امونة وطفلهما كما اوصى قبل موته بزمن طويل .. عند وصولها متعبة وحزينة بعد رحلتها الطويلة ارتفعت حرارة البكاء مرة اخرى .. وعندما احتضتنها بلقيس بعنف .. لاحظت رحمة الغمزات المتطايرة بين اهل والدتها المحتجين على سفر منال وبقاءها وحيدة في دولة اوربية .. لقد كانت حاضرة اثناء غالبية المشاحنات التي وقعت بين امها واهلها ... كانت بلقيس تدافع بحرارة عن حق ابنتها في التعليم ...
    - منال من حقها تتعلم لغاية آخر درجة في التعليم ..انتو ليه عاوزني امنعها ؟؟ عشان هي بت ؟؟ وشنو يعني بت ؟؟ انا بتي مربياها كويس .. بثق فيها وفي اخلاقها وتصرفاتها .. شنو المشكلة انها تكون براها .. حتعمل حاجة غلط يعني ؟؟ طيب هي لو عاوزة تغلط وهي قاعدة هنا ومعاي في بيت واحد تفتكروا انا بقدر امنعها ؟؟ انتو عايشين وين ؟؟ زمن الرقابة حقت الاهل البسالوا البت ماشة وين وجاية من وين ومصاحبة منو دي انتهت زمان ... الزمن الفينا دة الرقابة بقت الا من جوة البني آدم براهو .. والواحدة لو عاوزة تعمل شئ غلط لا ام ولا ابو ولا اخو ولا عم بيقدر يمسكها .. هسة البنات الحايمات هنا ديل ما قاعدات مع اهلن ؟؟ قدروا يمنعوهن ؟؟!! ... حاول البعض من اهلهم تاليب الاب الغارق في ملذات حياته لمنع ابنته من السفر .. لكنه لم يهتم ... خصوصا عندما علم بموافقة ود العمدة ومباركته لخطوة حفيدته التي اثلجت صدره بتفوقها في الحصول على الماجستير والدكتواره في زمن قياسي جعلها حديث النشرات الطبية نسبة لتخصصها الجراحي النادر ... أحست رحمة بغصة في قلبها لابتعاد شقيقتها الوحيدة .. وكانت من اشد المعارضين لقرار سفرها .. لكن اصرار منال الشديد ... وموافقة بلقيس المترددة التي حسمتها موافقة ود العمدة وحماسه الشديد للفكرة جعلها تصبح واقع خيم بظله الحزين على كل اهل البيت .. وخلال اقل من شهر كانت منال قد انهت كل اجراءتها ... لم يثنها شئ لتاجيل مواعيد رحيلها .. حتى توسلات صديقتها الحميمة جاكلين للبقاء بضعة ايام فقط لحضور زواج جمال لم تجعلها تغير رائيها .. اعتذرت وتعللت بمطالبة الجامعة لها بالحضور في موعد محدد للحاق بالفصل الدراسي ... خلال تلك الايام اصبحت رحمة تتبع منال كظلها وهي لا تكاد تصدق بانهما سوف تفترقان .. لكن تصرفات منال كانت تصيبها بالحيرة .. فقد بدأ وكأن شقيقتها تتهرب من البقاء مع افراد اسرتها وتفضل التغيب خارج المنزل لساعات طويلة بحجة تجهيز الاوراق اللازمة للسفر .. وحتى عندما تعود من مشاويرها التي لا تنتهي كانت تتظاهر بالتعب لتبقى وحيدة في غرفتها .. وتبكي ...
    كان حزن منال العميق يفزعها .. لقد اعتادتها مرحة حتى في اصعب الاوقات ... لكنها خلال الشهر الاخير تحولت الى مخلوقة اخرى .. اختفت ضحكاتها وغابت ابتسامتها .. نحل جسدها وعافت نفسها رفقة احبابها .. لقد بذلت هي وامهما المستحيل لمعرفة اسباب حالتهاالغريبة .. لم تكلا من سؤالها ... وكان جوابها مماثلاً في كل مرة .. وتذكرت رحمة آخر نقاش دار بينهما واثار مزيداً من القلق في نفسيهما ...
    - يا جماعة انا كويسة ما عندي حاجة .. بس الشغل كتير وانا مضغوطة شديد .. ما تقلقوا .. ايام وبتعدي ...
    - طيب يا بتي اخدي اجازة وارتاحي لغاية مواعيد سفرك ما تجي .. يعني انتي حتفضلي تساسقي كدة لغاية يوم السفر ولا شنو ؟؟!!...
    - اجازة ؟؟ لا يا امي ما عاوزة اجازة .. مش بيقولوا الشغل الكتير هو احسن علاج للزول عشان ينسى همومو ؟؟ ..
    - هموم ؟؟ وانتي هموم شنو العندك يا منال ؟؟ يا بتي الله يرضى عليك وريني مالك .. لو عندك مشكلة احكي لي .. مش انا طول عمري باتعامل معاك انتي واختك على اساس اننا صحبات ؟؟ وريني الحاصل عليك شنو ... احكي لي مالك ..
    - قلت ليكم مافي حاجة .. ما تكبّروا المواضيع ساكت .. انا كويسة .. العندي دة شوية ارهاق .. لكن انتي عارفاني يا امي انا بحب شغلي وما بلقي نفسي الا فيهو ...
    - طيب يا منال ما تفكري في العريس المتقدم ليك دة .. يا بتي الولد ممتاز .. ادي نفسك فرصة تعرفيهو وبعدين قرري ايوة ولا لا .. لكن ما منطق انك ترفضي طوالي كدة من غير حتى ما تعرفي اي حاجة عنو ..
    - امي الله يخليك ما تعكننيني بسيرة العرس دي .. انا قلت ليكم من زمان ما بفكر في الموضوع دة هسة .. لمن يجي وقتو ..
    - ووقتو دة حيجي متين انشاء الله ؟؟ حددي لي بعد كم شهر ولا كم سنة ؟؟ يا منال انتي كبرتي والقدرك كلهم عرسوا زمان واولادهم بقوا كبار .. وريني بس منتظرة شنو ؟؟ لو عندك زول معين في راسك كلميني بيهو .. وصدقيني مهما كان ما حنرفضو لاننا بنثق فيك وفي اختيارك ...
    ردت منال بمشاغبة اعادت اليهم جزء من صورتها القديمة ...
    - متاكدة يا امي ؟؟!! .. مهما كان حتوافقوا ؟؟!! اوعي بعدين تنطي من الكلام دة .. خليك شاهدة يا رحمة ..
    بدت في عينيها نظرة جادة برغم صوتها المازح ... وعندما رات علامات التوجس تتقمص ملامح امها انهت النقاش بضحكة حزينة تبعتها اثناء انسحابها مخلفة ورائها عشرات الاسئلة في راس الام المتحسرة ... تذكرت رحمة اختفاء منال الغامض لعدة ساعات قبيل سفرها بيوم .. خرجت بصمت دون ان تخبر احدا عن مقصدها .. وعادت بحالة مزرية .. كانت ملابسها المجعدة الفضفاضة تنبئ عن كمية الوزن الذي فقدته خلال الفترة الماضية .. ارتمى شعرها المشعث وراء ظهرها باهمال .. بينما شعت عيناها المنتفختان بلون احمر وسط بشرة وجهها الشاحبة .. بهت الجميع لمرآها واكثرهم بلقيس التي اصابها الفزع على حال ابنتها .. فقد بدت كجثة تسير على قدمين .. وعندما حاولت ان تتبعها الى غرفتها التي دخلتها بشرود دون ان تلقي بالاً لافراد اسرتها المجتمعين بانتظارها .. ثبتها ود العمدة بحركة حازمة من عصاه ...
    - خليها يا بلقيس .. منال بتمر بظرف نفسي صعب ما تضغطي عليها ... وهسة مافي أي زول يحاول يتكلم معاها .. خلوها لغاية ما تروق ..
    - لكن يا ابوي ما شايف البت شكلها بقى كيف ؟؟!! هو سفرها دة في زول جابرها عليهو ؟؟!! مش براها المصرة وعاوزة تمشي ؟؟!! لو ما قادرة عليهو خلاص تخليو وتقعد تواصل تحضير هنا واهو عندها شغلها .. وتكون جنب الناس ...
    - لا يا بلقيس .. منال لازم تسافر ...
    اصيب الجميع بالاستغراب لرده الحاسم .. واندهشوا من حماسه واصراره على سفر حفيدته بعد توقعاتهم بان يكون اكبر رافض ومعارض للفكرة .. واصبح موقفه مبعث حيرة وتساؤل لدى افراد اسرته..
    كانت رحمة تنتقل ما بين سطور الخطاب القابع في حجرها وذكرياتها التي تلغي الحاضر وتعود بها الى تلك الايام التعيسة التي اعقبت سفر منال .. لقد احست وكأن جزء من جسدها قد بتر ودخلت في كآبة عميقة جعلتها تهمل حتى زوجها وطفلها .. تحلى محمود بصبر فائق واصبح يعاملها برقة وحنان اكثر مما سبق حتى تغلبت على غياب توأم روحها وبدات تتعامل معه كامر واقع ...لكن اذداد قلقها لانقطاع اخبار منال طيلة الاربعة اشهر الاولى .. لم يصلهم منها غير مكالمة يتيمة اخبرتهم فيها بوصولها بسلام واستقرارها في الجامعة .. ثم تبعها صمت تام جعل بلقيس تكاد تموت لولا مواساة ود العمدة الذي كان يتكلم عن منال بحزن غريب ... عندما وصلتها اول رسالة بعد الانقطاع القاسي صارت ترياقاً لروحها المعذبة ...
    اكملت رحمة قراءة الخطاب .. اعادت ضمه الى صدرها .. مسحت دموعها التي ترافقها في قراءة كل رسالة .. ثم اخرجت الاقلام ومجموعة الاوراق من الدرج وبدات في كتابة رد طويل يحتوي على ادق التفاصيل والاحداث التي حدثت في حياتها وحياة اهل الحوش منذ الخطاب الاخير ...
    كانت استفاضتها في السرد مبعث راحة لمنال التي تربعت في منتصف السرير الضيق بغرفة استراحة الاطباء بمستشفى استوكهلم العام .. كانت تلتهم السطور بلهفة وهي تحس بالامتنان لشقيقتها التي لا تغفل شاردة ولا واردة بدون ان تذكرها لها مما جعلها تشعر بانها ما زالت هناك .. تعيش معهم وتشاركهم تفاصيل حياتهم .. خصوصا بعد الانعزال المتعمد الذي مارسته خلال الشهور الاولى لوصولها .. كانت بحاجة لان تقطع كل صلاتها بالسودان .. وكل شئ يذكرها بجمال ... دق قلبها دقات متتالية عندما مر اسمه في خيالها ... ما زالت ذكراه تحرك مشاعرها برغم مرور كل هذه السنوات على فراقهما ... جمال هو الرجل الوحيد الذي ثملت بحبه منذ سنوات مراهقتها الاولى ... الرجل الوحيد الذي استطاع ان يعزف اوتارها الصحيحة ويمتلك مفاتيح حواسها .. فهو لم يكن بالنسبة لها مجرد حبيب فقط .. كانت تحسه الاب الذى تخلى عنها .. والشقيق الذي لم تحظ به قط والصديق الذي يكمل جملتها الناقصة .. كانت تحس معه بامان لا حدود له ويمنحها وجوده سعادة مفرطة .. معه لم تكن تحتاج لكتير من الكلمات .. تكفيه نظرة ليفهم ما تريد .. لقد وصلا الى مرحلة من التفاهم النادر جعلتهما يؤمنان بان لا حياة لاحدهما دون الآخر ... لذلك كانت صدمتها عنيفة عندما طلب منها ان تلتقيه في احدى الكفتريات الهادئة التي اعتادا على الجلوس فيها .. عندما راته قادماً من بعيد بدا لها وكانه انسان آخر بملامح مختلفة .. كان قد اختفى منذ ثلاثة ايام بعد ان اخبرها في اتصال تلفوني مقتضب بانه سيبقى في المستشفى لحالة طارئة ولن يستطيع التواصل معها..
    - بسم الله يا جمال .. مالك شكلك عامل كدة ؟؟ .. انت عيان ولا حصل شنو في المستشفى ؟؟!! ...
    ولاول مرة في تاريخ علاقتهما بات الصمت ردا على سؤالها .. افزعتها نظراته الميتة التي تتفادى عينيها المتلهفتين لعناق عينيه ... كما افزعتها الرائحة المنبعثة من جسده والتي دلت على عدم استحمامه منذ مدة .. لقد اعتادته نظيفاً .. انيقاً .. عطر الرائحة .. مرت عليها لحظات صمته كالدهر وبدا الخوف يتفاعل ويتصاعد بداخلها كالبركان .. كان القادم اسوأ مما تستطيع تحمله ...
    - منال .. انا ما كنت في المستشفى ولا عندي حالة طارئة زي ما قلت ليك ... انا اختفيت لاني ما كنت قادر اواجهك ولا عارف اقول ليك الحقيقة .. لانو الحقيقة عاملة زي قصة من القصص الرخيصة البعملوها في المسلسلات ... حاجة كدة اصعب من إنها تتصدق او الانسان يقدر يتعامل معاها ... نوع من مفاجآت الحياة القاسية الممكن نتخيل تحصل للناس التانيين لكن ما تحصل لينا ... سامحيني يا منال .. سامحيني لاني مضطرأخون عهدي القطعتو ليك وانهي أي حاجة بيناتنا لاني خلاص حاخطب واحدة قريبة طنط ايزيس الاسبوع الجاي .. والعرس حيكون بعد شهر ..
    لم تستمع الى بقية كلماته بعد ان بدأ طنين حاد يدوي داخل اذنيها .. احست بكل ما حولها يدور ببطء كانه مشهد في فلم سينمائي .. وبدات الطاولات والمقاعد تلعب فوق راسها .. والجدران تقترب حتى اطبقت عليها ... قطرات ماء باردة على وجهها جعلتها تستعيد قدرتها على الادراك بما حولها كان جمال واقفاً فوق راسها وهو يمسح وجهها بمنديله المبلل محاولاً اجبارها على احتساء جرعة ماء نفضت يده بعنف وهي تتمتم ...
    - انا اكيد بحلم .. مستحيل دة يكون حقيقي .. دة كابوس ...
    ارتمى جمال على كرسيه بتعب وخرج صوته مصبوغاً بمرارة موجعة ..
    - منال ماما بتموت .. ما باقي ليها كتير .. سرطان في المعدة في مرحلة متقدمة ما بنفع معاها أي علاج ...
    شهقت منال بالم ... كانت رجاء بالنسبة لها ام اخرى احبتها كما احبت بلقيس ... لم يلتفت جمال لرد فعلها وواصل كلماته كانه يكلم نفسه ...
    - ما كانت بتشتكي من أي شئ .. زي عوايدها بتتالم بصمت .. كانت مفتكرة الموضوع بسيط .. القرحة قايمة عليها عشان ما ملتزمة بالاكل ولازم تطبخ بالسمن البلدي والشطة الخضرا .. او يمكن وجع معدة من كترت الحبوب البتبلعها .. قبل تلاتة يوم لقيتها في اوضتها بتبكي .. الالم شد عليها وبقت ما قادرة تتحمل .. شلتها جريت بها المستشفى وعملت ليها كل الفحوصات والتحاليل .. الدكتور قال اننا اكتشفنا المرض بعد فوات الاوان .. وانو خلاص مافي أي علاج حينفع بعد دة الا المسكنات ... حاولت اغشها واقول ليها انو ما عندها حاجة وانها بتتدلع زي كل مرة .. لكن ما صدقتني واصرت ترجع البيت ورفضت تقعد في المستشفى ... منال .. انا الايام الفاتت كنت بموت في كل لحظة وانا حاسي بالعجز قدام المها ... لعنت شهاداتي وقرايتي الما قدرت استفيد منها عشان اخفف بيها عن اعز الناس .. وفي نفس الوقت ما قادر افضفض لزول حتى خالو وجاكلين ما قدرت اكلمهم خفت يبان عليهم وماما تحس ونفسيتها تتدهور زيادة ... اول امبارح نادتني في اوضتها كان كلامها واضح شديد .. قالت لي انها عارفة انو اجلها خلاص قرب .. وانها ما خايفة من الموت بالعكس مبسوطة لانها ماشة لبابا وجانيت ... لكن عندها طلب اخير لازم انفذو ليها عشان تمشي راضية وسعيدة .. اني اتزوج العروس الرشحتها لي طنط ايزيس .. قالت عاوزة تموت وهي مطمنة اني استقريت وعملت اسرة .. عارفة انا قعدت بعد كلامها دة ساعتين بالضبط احاول اقنعها انها تصرف نظر عن الموضوع .. اتحججت بكل الحجج الممكن تتخيليها ... في النهاية لمن حسيت انها ما مقتنعة قربت احكي ليها عننا .. انا عارف هي بتحبك قدر شنو ... بس مسكت روحي في آخر لحظة خفت كلامي يزيد مرضها ... في النهاية قالت لي يا اما اوافق على العروس او حتخاصمني لغاية آخر يوم في عمرها .. وحتموت وهي غضبانة علي .. وكمان ما حتبلع الادوية ولا حتاكل ولا تشرب ...
    في الاول يا منال كنت قايلها بتهوش ساكت عشان انا اوافق .. وقلت اخليها كم يوم وانا متاكد انها حتنسى كلامها كلو ..لكن الحصل عكس توقعاتي .. اصرت على موقفها بصورة غريبة .. رفضت الاكل والشراب والحبوب المسكنة .. رفضت تتكلم معاي وبقت لمن ادخل عليها بتدور وشها الناحية التانية .. قعدت يومين من غير ما تاكل ولا تاخد علاج .. انا بقيت زي المجنون وما عارف اعمل شنو .. اتصلت بخالو وجاكلين وناديتهم يمكن يقنعوها تاكل وتبلع الادوية من غير ما اوريهم تفاصيل مرضها .. لكن عندت مع الكل ومافي أي زول قدر عليها .. بدا المها يزيد في كل لحظة عن التانية .. اتخيلي بس يا منال الحالة الانا كنت فيها .. ما كان قدامي أي خيار تاني غير اني اوافق على العروس عشان ترضى تاكل وتبلع الحبوب .. ما قدرت اقيف اتفرج عليها وانا شايف الالم بيقطعها بدون ما اعمل حاجة .. كنت مستعد اعمل أي حاجة في الدنيا عشان هي ترتاح .. دي ماما يا منال .. وانتي اكتر واحدة عارفة يعني شنو ماما بالنسبة لي ...
    ارتج جسده ببكاء مكبوت .. وتمردت دموعه فسالت بغزارة ... هالها منظره .. والبؤس الذي يتقطر منه .. احست بعجزه وقلة حيلته .. لم تستطع تحمل رؤيته بهذه الحال .... فتمالكت نفسها .. وحاربت كل المشاعر التي تصطخب بداخلها ... وخرج صوتها ثابتاً بشكل ادهشها هي شخصياً ...
    - بس يا جمال .. ما تنهار بالصورة دي ... انا هسة خلاص بقيت فاهمة ومقدرة ظروفك عارفة انو القرار دة انت اخدتو غصباً عنك ... دي امك الربتك وتعبت فيك لغاية ما بقيت راجل ودكتور مشهور .. ضحت بكل حاجة عشانك انت واخواتك .. ودة الوقت المفروض تردوا ليها جزء من العملتو ليكم ... حتى انا ما برضى أي حاجة تحصل لخالتي رجاء بسببنا .. ولا بقدر اتحمل وزر الشئ دة .. ربنا اراد كدة حنعمل شنو ؟؟ دة قدرنا .. وما قدامنا غير اننا نقبلو..
    كان لسانها يردد الكلمات الجوفاء بآلية بينما دواخلها تغلي بالرفض والاحتجاج الذي لم تجرؤ على اعلانه .. بدت ملامحها هادئة ولم يظهر فيها السواد الذي احتل روحها وصبغ عالمها بلونه الكئيب .. كان عزاؤها انه يتخلى عنها لاجل سبب نبيل .. لم يكن ما يفعله مجرد عذر للتملص من علاقتهما .. كانت واثقة من حبه لها ورغبته فيها .. لقد اثبت لها اخلاصه وصدق مشاعره بكل طريقة ممكنة طيلة السنوات الماضية .. ادركت صعوبة ما يحدث عليه .. لانها احست بكل ما يدور في اعماقه .. فقد كان يدور في اعماقها بنفس العنف والقسوة .. لكنها اختارت ان تتماسك ... كان على احدهما ان يفعل ...
    - منال انا ما عارف كيف هعيش من غيرك !! كيف واحدة تانية تبقى مرتي ؟؟!! ... حديها شنو ؟؟!! ما عندي شئ اديهو لاي انسانة تانية غيرك .. لاني اديتك كل احساس جواي من يوم ما عرفتك .. انا اتعلمت الحب على ايديك .. عرفت يعني شنو رغبة لمن بكون جنبك ... شفت الدنيا بعيونك .. حسيتها باحساسك .. كنت حريص على مستقبلي عشانك وعشان اولادنا الجايين .. كنت بنوم عشان احلم بيك .. واصحى عشان اشوفك والاقيك ... بقيت آكل الاكل البتحبيهو .. بامشي الحتت البتفضليها .. بالبس الهدوم البتعجبك .. باتعطر بالريحة البتختاريها لي .. كل ما ارفع يدي واعاين للساعة بتذكر انها هديتك لي يوم التخرج .. دة انا حتى اضافريني باقصها بالطريقة الانتي بتحبيها .. يلا وريني مفروض اعمل شنو عشان انسى دة كلو ؟؟!! .. وريني الطريقة البتخليني اعيش من غير ما اشوفك في كل زاوية من افكاري .. وريني كيف اقبل الواقع الاتفرض علي دة من غير ما اجن ؟؟!! ...
    عندما خرجت منال من الكافتريا كانت قد تحولت الى شخص آخر .. انطفأت كل الاشياء بداخلها .. لم يتبق من مشاعرها سوى رماد باهت .. ظلت تدور في الشوارع على غير هدى دون ان تحس بحركة البشر حولها .. لم تنم ليلتها .. ولا عدة ليال اخرى بعدها .. فقدت الاحساس بكل شئ حولها وفقدت الرغبة في كل شئ .. عافت نفسها الاكل والكلام حتى عملها .. اعتكفت في غرفتها وادّعت المرض حتى تبرر حالتها الغريبة ..
    وفي اليوم الذي حضرت فيه جاكلين بانفاس لاهثة كي تدعوهم لحفل خطبة جمال .. زارها جدها في غرفتها لاول مرة .. جلس في طرف السرير المقابل لها .. ثبت راسه على كفتي يديه المتكئتين على عصاه .. تفحصتها نظراته بالم .. وادراك ...
    - منال .. انتي مش كنتي مرة لمحتي لي انو الجامعة عرضت عليك منحة تحضير في السويد وانا رفضت ؟؟
    رفعت راسها بدهشة ونظرت الى العجوز الهادئ ... احست بنظراته تغوص عميقاً داخل روحها وتفضح اسرارها .. لم تتكلم .. نزلت ببطء من سريرها .. جلست ارضاً تحت قدميه ووضعت راسها على حجره وبكت .. لم يقاطع نحيبها الذي طال .. وظلت يداه تربتان على راسها وكتفيها بحنان وتفهم حتى توقفت اهتزازات جسدها وهدأت انفاسها ...
    - انا موافق تسافري يا منال .. ومتاكد انو السفر حيفيدك في حاجات كتيرة .. عاوزك من بكرة تمشي الجامعة وتبدي تجهزي اوراقك .. عندك مبلغ مفتوح .. أي حاجة عاوزاها اعمليها .. ولغاية نهاية الشهر عاوزك تكوني خلصتي كل شئ وسافرتي ...
    قفز قلبها قفزات متتالية وتحاومت الشكوك حول راسها .. هل يعرف جدها شيئاً عن علاقتها بجمال ؟؟!! لماذا زارها اليوم تحديداً ؟؟ ولماذا يصر على سفرها قبل زواج جمال الذي حدد له بداية الشهر الجديد ؟؟ لم تجرؤ على سؤاله .. واكتفت بالضؤ الاخضر الذي فتحه لها لتهرب من مكان لم يعد يسعها .. واصبحت فكرة السفر هي ما يربطها بالحياة .. ركزت كل تفكيرها في انهاء اجراءتها والمغادرة قبل اليوم الذي سيصبح فيه جمال رسميا ملكا لامراة اخرى غيرها .. لم تكن ستحتمل رؤيته مع اخرى .. وساعدتها اعضائها عندما اصيبت فعلياً بالمرض يوم حفل خطبته وارتفعت حرارتها الى درجة مخيفة وكادت تستفرغ احشائها عندما انتهت سوائل جسدها في سيل لا ينقطع من القئ .. اصر جدها على ذهاب الجميع الى الكنيسة لمجاملة رجاء .. وبقى هو معها يحيطها برعايته بصمت يحمل الكثير من الاسرار .. كانت ممتنة له الى ابعد الحدود واذدادت له احتراماً وحباً خصوصاً بعد ان تحول شكها في علمه بمشاعرها تجاه جمال الى يقين دون ان يطالبها باي شرح او تفسير ...
    كانت قد حرصت على تجنب حدوث أي مصادفة تجمعها بجمال بعد اعلان خطبته .. لم تكن تثق برد فعل حواسها ان راته امامها .. وبرغم ذلك ظلت اخباره تصلها من تعليقات اهل الحوش المتناثرة ..
    - انتو يا جماعة ما ملاحظين جمال ولد خالتي رجاء دة اتغير كيف ؟؟!! بقى ضعيف زي القشة ومبهدل وما مهتمي بروحو زي زمان ...
    - آي والله كلامك صح .. وكمان بقى دمو تقيل لا بضحك ولا بتونس وطوااالي صاري وشو زي الكانو شايل هموم الدنيا فوق راسو ...
    - دة كلو كوم ويوم خطوبتو كوم براهو ... الناس كلها علقت على شكلو .. الولد تقول ماشي في جنازة ؟؟ حزين وواقف بعيد من العروس زي الما عاوزها ...
    - يختي موضوع العرس دة فيهو إنّة .. لانو واحد من العيال قال لي كانوا بيفتشوا على الحمام .. قاموا مشوا ورا الكنيسة .. شافوهوا واقف هناك براهو ببكي زي الشفع الصغار .. يا ربي هو ما عاوز العروس دي ومجبور عليها ولا شنو ؟؟!! ...
    كانت هذه التعليقات تزيدها اصراراً على تجنبه .. فرؤيتها له بهذه الحالة قد تهدم كل الحواجز التي استماتت في بنائها داخل قلبها وعقلها طيلة الفترة الماضية ...لذلك ظلت يومياَ تراقب منزلهم بحرص تحيناً لفرصة اختفاء سيارته من امام الباب حتى تستطيع توديع رجاء قبل رحيلها الذي آن اوانه .. حصلت على مبتغاها قبل سفرها بيومين فسارعت الى منزلهم باستعجال مخافة رجوعه قبل انصرافها ...التمست له كل الاعذار عندما رات رجاء التي اصبحت شبحا هزيلاً وبالكاد استطاعت رفع يدها لترد تحية منال التي احتضنتها بشدة واغروقت عيناها بالدموع وهي تستمع الى صوتها الواهن ..
    - معقولة يا منال ؟؟!! .. صحي الكلام السمعتو دة ؟؟ حتخلي البلد وتمشي ؟؟!! هان عليك يا بت تخلينا وتخلي امك واختك وكل حبايبك وتمشي آخر الدنيا ؟؟!! ليه يعني ؟؟ هنا مافي تحضير ؟؟!! وكمان ما عاوزة تأجلي سفرك اسبوع بس عشان تحضري عرس جمال ؟؟ الخطوبة كنتي عيانة ما زعلت منك لمن ما جيتي .... لكن هسة بالجد زعلانة منك ..
    - عليك الله ما تزعلي مني يا خالتي رجاء .. انتي عارفاني ما بتحمل زعلك .. لكن اعمل شنو الظروف جات كدة .. لازم اكون هناك في تاريخ محدد وما بقدر اتاخر عليهم ولا يوم واحد .. انتي عارفة الخواجات ديل دقيقين شديد في مسالة المواعيد .. جمال ربنا يوفقو ويسعدو ويديك انتي الصحة والعافية عشان تشيلي اولادو وتفرحي بيهم ..
    - أولادو ؟؟ يا بتي مين يعيش ؟؟ .. انا بس الله يديني عمر احضر عرسو واطمن عليهو قبل ما امشي .. صدقيني يا منال انا عارفة اني جبرتو على العروسة دي وهو ما عاوزها .. لكن بكرة حيفهم انا عملت كدة ليه وحيسامحني .. هسة خلينا من الكلام دة كلو .. ما تغيري رايك يا بت وتقعدي تحضري العرس وتبقي شبينة مع جاكلين ... وحياتي يا منال لو بتعزيني اجلي سفرك اسبوع ...
    كانت كلمات رجاء تنغرز في روحها كسكين من نار تشعل وجعها وتحيل دواخلها الى غابة من اللهب ... تملصت من الالحاح بلباقة .. وكانت لحظات الوداع مؤلمة .. ارتفع صوت نحيب منال ورجاء حتى طغى على صراخ جانيت الصغيرة الخائفة من جو الحزن الثقيل المسيطر على الجميع .. جرّت منال قدميها بتعب الى الخارج .. وعندما وصلت الى منتصف المسافة بين المنزل والباب الخارجي احست بوجود جمال قبل ان تراه .. اصيبت بالذعر وبدات تتلفت بحثا عن مكان تختبئ فيه .. عندما فتح جمال الباب وجدها مسمرة في مكانها وراسها يدور بيأس فتسمر هو الآخر .. لم تدر منال لكم من الوقت ظلا واقفين هل هي ثوان .. ام دقائق .. او ربما ساعات .. كان الصمت بينهما مشحوناً بالآف الكلمات .. وتحررا اخيرا من اسره على صوت فرامل سيارة مسرعة في الشارع ... تقدم جمال نحوها ببطء ماداً يده .. التقطتها بلهفة وهي تحاول ان تسيطر على رعشتها .. وخرج صوتها همساً ..
    - اهلاً يا جمال .. معليش ما قدرت اجي خطوبتك .. مبرو....
    - لا يا منال .. اوعي تقوليها .. اوعي تباركي لي .. انتي بالذات ما حستحمل اسمعها منك ... وبعدين في زول بيباركو ليهو حكم اعدامو ؟؟ عاوز اسالك سؤال وجاوبيني عليهو بصراحة .. ليه بتتجنبيني يا منال ؟؟ ليه قسيتي علي كدة وحرمتيني من شوفتك ؟؟!! حتى الحقنة الكنتي بتديها لماما وانا كنت مأمل انها تبقى سبب عشان ما تغيبي عني اعتذرتي عنها !! .. انا يوميا بفتش عليك .. في الشارع .. في الكلية .. حتى المستشفى مشيت سالت عنك وعرفت انك قبلتي المنحة بتاعت السويد ومسافرة قريب .. كنتي حتسافري من غير ما تكلميني ؟؟!! من غير ما تودعيني ؟؟!! .. معقولة يا منال ؟؟ قلبك قسى للدرجة دي ؟؟!! ..
    - حرام عليك يا جمال .. كفاية اسكت.. انت ما عارف كلامك دة بيعمل فيني شنو .. ما عارف انا عملت شنو عشان امنع نفسك من شوفتك وملاقاتك .. كنت متخيلة انك حتفهم اني عملت كدة عشانا احنا الاتنين .. كان لازم ابعد عنك باي طريقة .. ملاقاتنا لبعض ما كان حيكون عندها معنى غير العذاب لينا الاتنين .. عذاب ما حنقدر نتحملو .. واهو كل واحد فينا بدا مرحلة جديدة من حياتو ولازم يمشي فيها .. انا بصراحة ما كنت ناوية اودعك .. لكن طالما لاقيتك حقول ليك مع السلامة لاني مسافرة بعد بكرة ...
    - بعد بكرة ؟؟!! بعد بكرة يا منال وما كنتي عاوزة تودعيني .. ما كنت هتخليني اشوفك قبل ما تختفي من حياتي لفترة ما يعلم بيها الا ربنا ؟؟ يا الله يا منال .. دة كتير .. كتير علي شديد .. شوفي لازم الاقيك بكرة .. ما تهزي راسك ولا تقولي لا .. دة حقي عندك .. حق العشرين سنة البنحب فيهم بعض .. حق الذكريات الفاتت .. وحق العمر الجاي بدونك .. لازم يا منال .. اديني ساعة واحدة بس .. ساعة تبقى لي ذكرى اعيش عليها ارجوك ما ترفضي ...
    عندما اندست داخل سيارته في اليوم التالي كانت موقنة بان موافقتها على لقائه غلطة ستندم عليها فيما بعد .. ظلت صامتة طيلة الطريق ولم تساله حتى الى اين يأخذها .. اندهشت عندما توقف امام بناية ما زالت قيد الانشاء في احدى الضواحي الجديدة الهادئة .. نزلت بتردد سرعان ما اختفى عندما رات نظرة لوم جريح في عيني جمال .. مد لها يده وهو يقودها بحرص بين بقايا الخشب والطوب والاسمنت .. خرجت همسة احتجاج من بين شفتيها عندما اخرج من جيب قميصه مفتاح صغير ادخله في باب الشقة الارضية ...
    - جمال ؟؟!! ...
    - منال .. انتي لسة بتثقي فيني ؟؟!! .. عارفة يعني شنو منال بالنسبة لجمال ؟؟!!
    - ايوة ..
    - طيب ادخلي ..
    وجدت امامها صالة فسيحة بنوافذ زجاجية عريضة وطليت جدرانها باللون الزهري الفاتح .. لونها المفضل .. كانت خالية من الاثاث الا كنبة طويلة امامها جهاز تلفزيون صغير .. تجولت نظراتها بتساؤل بين وجه جمال والمكان ...
    - دي شقتك يا منال .. كانت حتكون هديتي ليك يوم عرسنا .. كنت عاملها ليك مفاجأة .. اول ما وضعي المادي بدأ يتحسن فكرت اجيب ليك هدية تفضل ليك العمر كلو .. قريبي مقاول عرضها علي واشتريتها منو بالتقسيط .. وسجلتها باسمك .. وحتفضل حقتك برغم الحصل .. على الاقل حتكون الحاجة الوحيدة القدرت اديها ليك فعلاً .. ضربت الحيط بالوانك المفضلة .... كنت بجي هنا يوميا تقريباً عشان اشرف على الشغل والتشطيب .. وكنت بفكر حتى لمن نطلع برة نأجرها وتبقى لينا استثمار كويس جوة السودان .. هسة ما عارف اعمل فيها شنو .. انتي قرري دي شقتك ملكك .. شوفي عاوزاني اعمل فيها شنو لغاية ما ترجعي وتستلميها .
    انفجرت منال في عاصفة بكاء هستيري اخافت جمال ... هرع اليها واحتضنها بقوة محاولاً ان يسيطر على ارتعاشات جسدها النحيل .. قاد خطواتها العمياء بحرص حتى اوصلها الى الكنبة فجلس واجلسها في حجره ودفنت راسها في صدره .. تسللت يده وانتزعت ربطة شعرها لتحرره شلالاً يتصادم وراء ظهرها ... كان يهمس في اذنها بكل عبارات الحب التي تعلمها لاجلها ... وعندما هدات قليلاً استلقى على ظهره وهي ما زالت سجينة ذراعيه واستقر جسدها اعلى جسده حتى لم تعد هناك أي مسافة تفصل بينهما .. تمسك بها بشدة .. وتعلقت به بيأس .. كانت يداه تجوب ظهرها المتشنج ثم ترتفع لتغوص عميقاً في خصلات شعرها المبعثر حتى هدأت تماماً واصبح نحيبها انات متقطعة .. ظلا على هذا الوضع لفترة طويلة لم يحاول فيها ان يحصل على اكثر مما هو بين يديه .. كانا صامتين كان لم يعد هناك ما يقال .. لحظتها تمنت منال لو بقيت على هذا الوضع حتى نهاية عمرها .. تمنت لو يتوقف الزمن .. تمنت لو تموت وهي بين ذراعيه ..
    عندما انتبها لمرور الوقت .. كانت قد مضت ساعات على حضورهما .. انزعجت منال وهبت من رقدتها الآمنة لتحس فوراً بالفراغ والوحشة ... وبرد يخترق عظامها .. دمعت عيناها مرة اخرى عندما ادركت بانه هذا سيكون مصيرها حتى آخر العمر .. ترافقا بصمت حتى الباب ... وقبل ان يدير جمال المفتاح التفت اليها وفاجأها بقبلة جائعة .. حاولت التملص منه في البداية .. ثم استسلمت لطوفان مشاعرها وبادلته قبلته باخرى اعمق منها .. احست بانها تمتص جزء من روحه لتحجزه داخلها .. وتمنحه جزء منها ليبقى داخله .. عندما انفصلا كانت الدموع تملا وجهيهما .. لازمهما الصمت حتى نزلت منال من السيارة في مكان بعيد من منزلهم .. اغلقت الباب خلفها وركضت بعيداً دون ان تلقي نظرة اخرى عليه .. ودون ان تهتم لمنظر شعرها المشعث وملابسها المجعدة وعينيها الحمراوتين ...
    عندما وصلت منال الى منفاها الاختياري .. دفنت همومها في رفوف المكتبات وبين صفحات الكتب .. رفضت ببرود أي علاقة اجتماعية عرضت عليها .. واصبحت مشهورة بوحدتها .. وتفوقها .. انجزت الماجستير في اقل من الوقت المحدد لها بكثير .. وتبعته بالدكتوراه .. اصبحت شبه مقيمة في المستشفى ولا تعود الى شقتها الصغير الانيقة الا نادراً ... كانت اخبار جمال تاتيها من ضمن التفاصيل الاخرى في خطابات رحمة .. ما زال نجمه يصعد في مجال تخصصه واصبح مرجعا يستعان به في الحالات الصعبة برغم صغر سنه وحداثة خبرته .. اصر على الاقامة بمنزلهم ورفض ان ينتقل بعد وفاة والدته التي رحلت عقب زواجه بشهرين ... انجبت له زوجته ابنتين .. رجاء ومنال ... احست بسعادة خفية لعلمها بانه منح اسمها لاحدى ابنتيه .. كانت تشعر بالفخر كلما سمعت اخبار نجاحه من جاكلين التي ظل تواصلها معها مستمراً وحميماً .. وصريحاً .... لدرجة انها كتبت ليها في احد خطاباتها التي كانت تنافس فيها رحمة في ذكر التفاصيل ..
    " عارفة يا منال الدنيا دي ما فيها عدل .. لو فيها عدل بالجد ما كانت جانيت اتقتلت بالطريقة البشعة دي .. ولا كانت اعز صاحبة لي في الدنيا سافرت وخلتني براي .. ولا جمال فقدك لاسباب انتو الاتنين ما ليكم يد فيها .. عارفاك حتستغربي لكلامي دة .. لانو دي اول مرة اوريك اني عارفة الشئ الكان بينكم .. انا عارفة من زمان .... بديت اشك انو في شئ بينكم ايام عرس رحمة .. وكنت بدعي ربنا ليل نهار انو شكوكي تطلع غلط عشان عارفة استحالة أي ارتباط .. مش عشان اختلاف الدين وبس .. عشان حاجات كتيرة تانية .. لكن كل ما يمر يوم كنت بتأكد من شكوكي .. حبكم لبعض كان واضح زي الشمس .. انا مستغربة كيف الكل ما حس بيكم ؟؟ يمكن عشان مستبعدين الشئ دة ؟؟!! او يمكن انا حسيت لاني قريبة منكم انتو الاتنين ؟؟!! .. انتو كنتو شاطرين وعرفتو تدسوا مشاعركم ورا ستاير الجيرة والصداقة وزمالة الجامعة .. لكن انا كنت بلاحظ اخوي لمن يشوفك بيحصل ليهو شنو .. كنت براقبو اول ما انتي تجي داخلة .. بيتحول لكتلة سعادة ماشة على رجلين .... ولمن تمشي ببقى زي البالونة النفستي منها الهوا ... ما كان شايف بت غيرك .. ولا قادر يحس باي واحدة تانية مهما كانت جميلة .. ياما بنات من جماعتنا رموا نفسهم عليهو .. ياما امهات لمحوا ليهو بالكلام عشان يجي ياخد بناتهم .. وهو في عالم تاني .. في عالمك انتي يا منال .. صدقيني اشقفت عليكم من مشاعركم دي .. وكل ما اجي اسالك اخاف واتراجع عشان ما تقولي ايوة .. لكن الحصل ليك انتي وجمال لمن ماما اجبرتو على موضوع الخطوبة قطع كل الشكوك جواي .. خلاني اتاكد .. خلاني احزن شديد من النتايج .. انتي خليتي البلد وهربتي .. وجمال عايش حياة زوجية تعيسة مع انسانة ما بربطو بيها غير الواجب والعيال .. طول الوقت دافن نفسو في شغلو ما بين العيادة والمستشفى .. وطول الوقت بيسالني منك ومن اخبارك .. اما مرتو المسكينة بتشتكي بانها ما لاقيهو .. لا بقعد معاها ولا بتكلم معاها الا في طلبات البيت والعيال وبتشتكي كمان انو بيفرق في المعاملة بين البنات .. بيعامل منال بطريقة مميزة شديد .. والفترة القصيرة البيكون قاعدها في البيت بيكون شايلها في حضنو .. وحتى لمن يجي ينوم بيختها بينهم في السرير " ...
    علمها بتعاسة جمال عمق جراحها وزادها تصميماً على البقاء بعيداً عن وطنها حتى اثناء الاجازات الشحيحة التي كانت ترفضها وتفضل عليها التطوع والبقاء في المستشفى .. كانت اجراءات حصولها على الجواز السويدي تسير بخطى حثيثة .. وسوف ترسل لامها وشقيقتها واطفالها دعوة لزيارتها ما ان تتمكن من ذلك ..
    - دكتور عبد العظيم .. مطلوبة في غرفة الجراحة رقم (7) .. دكتور عبد العظيم ...
    ابتسمت منال وهي تستمع الى اسمها ينطق بطريقة غريبة من خلال الميكرفون الداخلي .. طوت الرسالة بحرص ووضعتها في جيب البنطلون الاخضر الباهت .. شدت القميص واعادت لف السماعة الطبية حول عنقها .. رسمت على وجهها ابتسامة مهنية محترفة تبعث على الاطمئنان وهي تغادر الغرفة وعبارات جدها التي اعطاها لها زاداً قبيل مغادرتها ترن في اذنيها ..
    - يا منال يا بتي الحياة دي غريبة .. بتحب تعاند معانا .. بتديك الشئ الما عاوزو .. وبتشيل منك اكتر شئ انت بتتمنى تاخدو ... احياناً بعد زمن بتحن علينا وبتدينا .. واحياناً ما بتدينا خالص.. عشان تقدري تعيشي .. اتعلمي تشيلي البتديك ليهو وانتي شاكرة .. واوعك تحاولي تقالعيها في البتشيلو منك .. لانك لو قالعتيها حتعاند معاك زيادة .. وحتدخلي في دوامة ما بنتهي من الحزن والتعاسة ... اسأليني انا يا منال .. واسمعي نصيحتي .. اقبلي العندك .. واحمدي ربك عليهو ..
    اصبحت تستحضر نصيحة جدها الثمينة كلما ضاقت بها نفسها .. لم تعد تطلب اكثر مما لديها .. لقد اخذت ما اعطته لها الحياة وفي اعماقها امل ضعيف بانه يوم ما .. ربما تقرر ان تمنحها السعادة التي حرمتها منها ... ربما تقرر ان تصبح عادلة معها ...







    تمت بحمد الله

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •